ليس هذا المرفق مستثنى من بقية المرافق العمومية التي
يقبع الناس عند أبوابها لأمور أو لأخرى قد يحل النزر
القليل منها والأكثر أن تبقى دون حلول بفعل
البيروقراطية والفساد الإداري الذي لا يراعي قضية ولا يهتم بما هو من اختصاصاته أصلا.
ولعل اهم ما يميز مركز الاستطباب الوطني هو قدمه
مقارنة بغيره من توابع وزارة الصحة مما يجعلنا نفترض أنه من المعقولية بمكان أن تكون قد توالت عليه أيادي مختصة
وخلقت نوعا من المقدرة و الأداء والمهنية المعتبرة
التي تجعل الصحة أولى فواتح الأمور وخواتمها .
ولعل أولى الصدمات التي يتلقاها قاصد مركز الاستطباب الوطني
الطوابير الغير متناهية من مرضى بلغت حالاتهم الصحية
وضعا خطيرا لا يسمح لهم بالتدافع داخل الأمواج
المتلاطمة من المرضى والمعتلة اجسامهم ، وهنا حدث ولا حرج،
فأحدهم يفترش الأرض ويلتحف السماء ولم يعد بمخيلته أنه سيلقى خلاصا أو حالة أفضل مما هو عليه فقد ألف أن يقضي
الساعات تلو الأخرى في هذه الوضعية لعل القائمين على المستشفى من أطباء يعيرونه بعض اهتمام .
وهذا يسحب في آخر رمق، وآخر سال لعابه وانهدرت مائة
جسمه لسوء ما هو عليه، وجماعات في جماعات ممن يحملون أجهزة
التبول في أيديهم على قارعة الطريق ينتظرون الطبيب
الذي أوصدت دونه أبواب حديدية وأوقف عليها حراس مفتولي
العضلات حتى ليخيل إلى المريض المسكين أن البواب الذي
يمنعه من مقابلة الطبيب قد أوكلت إليه مهمة مصارعة
المرضى وإبعادهم بقوة جعلتهم في الأخير ضحية مطامع هذا
او ذاك من تلك الحاشية التي تصول وتجول في أروقة مركز
الاستطباب الوطني.
فلم يعد مركز الاستطباب الوطني سوى
ساحة للاعلان التجاري يعلن فيها الأطباء عن عياداتهم
التي ما شاء الله ملأت الدنيا وشغلت الناس، وخصخصت
فيها الأنفس وأخلاقيات العمل الطبي وخصائصه المهنية
والإنسانية.
فالقادم إلى مركز الاستطباب الوطني عليه
أن يقبع وبكثير من الذل والاحتقار تحت أرجل زائري المركز
من المقربين الذين لا يسد أمامهم باب، وبعد أن تركضه أرجل
الحسناوات، وخلق الله من حشرات وآدميين في فضاء المركز
الذي تعود عماله قدوم المرضى قبلهم بساعات وانتظارهم
فيه وقد يقدمهم المرضى ويتجمعون ويملأوا فضاء المركز ولا
يقدم أي من الأطباء أو من يدعى بموظفي المركز.
وقد يقدموا فرادى وجماعات مرحين لاهين في الطريق لينتقلوا
إلى اللهو الأكبر في المكاتب.
يتصل فلان أو فلانة لأمر أو لآخر فسبحان الذي جعل البعض يحل أموره جالسا،والبعض قابعا مهانا تحت أرجل الصراصير، والذباب والنظرات
العبوسة لمخاليق الله.
يقبل إذن سلك الموظفين من أطباء وغيرهم بعد أن ترتفع الشمس بساعات وتزدان المكاتب وتتهيأ لاستقبال من يحق له استقبال ممن نزلتهم قرابة أو معرفة ؟ وليت شعري ثم ليت شعري، وأنا أستطيع وأنت تستطيع وكل المواطنين يستطيعون أن يرددوا هذا السؤال ألف مرة ومرة وألف ليلة وليلة، إما استنكارا أو تعاطفا مع المرضى والمؤلفة قلوبهم : أيصلح مركز استطباب وطني أن يتحول إلى مركز نخاسة، وامتهان البشر وصحته وأحاسيسه الآنسانية؟ ألم يصبح مركز الاستطباب مركز سمسرة أولا ثم ساحة معارف شخصية، ووساطات قبلية ثانيا ؟ ألم يتجاوز عدد العيادات الخاصة حدود المعقول واللامعقول؟ ألم يفلت الأطباء من دوائر السيطرة إن كانت فيه سيطرة أصلا في مركز الاستطباب الوطني ؟ فكيف بهم في عياداتهم الخاصة ؟ فهم ليسوا مسؤولين عن شيء ولا يحدد القانون مهامهم العامة فكيف
بالخاصة وإن حددت فلا ناه ولا منته ؟ أوليس أطباء
المركز وعماله من ساهم في تدمير المركز ماديا ومعنويا أولا
وآخرا ؟ أليس تعاملهم مع مرضى المركز دليلا على حريتهم
اللامحدودة ؟ فالمركز ومقتنياته وأوقات العمل يعتبرها
أطباء المركز وعماله ملكا لهم وحتى المرضى الذين
يسمسرون أكثر من ثلثيهم بتوجيههم إلى عياداتهم التي لا تصلح لتطبيق طلاب السنة الأولى في معهد أو جامعة طب لم تشفع
لهم حالاتهم المرضية لا في المركز ولا في العيادات،
مما جعلهم كبش فداء وبقرة حلوبا بكل ما تحويه العبارات من دلائل، مما يدل على تدني المسؤولية والاسترزاق بطرق
يتأنف عنها الجاهل فكيف بالمتعلم ؟ أليس هذا الجمع من الخصال دليلا على الدرجة العالية من السوقية والابتذال،
والمادية المنحطة التي وصل إليها مركز الاستطباب
الوطني؟ وخلاصة القول أليست الدولة المسؤول الأول والثاني عن هذه الترهات الروتينية التي تقشعر لها الأبدان؟.
هكذا تتراءى إدارة بلا مديرين وعمال ينهشون ميزانية
الدولة بباطل تفاقم وقعه حتى بلغ من الناس مبلغ البؤس
والشقاء.
ولست أذكر الرواتب السخية التي يتقاضاها عمال
مركز الاستطباب الوطني من المدير إلى البواب، وأظن
إحصاءهم مستعصيا لعدم وضوح مهامهم وقلة دوامهم، لكنني
أذكر المرافق المهملة المهشمة والقاذورات المبعثرة في
المركز والطوابير المذيلة بالحالات اللاستعجالية
المؤخرة نتيجة التسويف واللامبالاة ؟ وإن تشجعت وطالبت بحق
فالله معك لأنك لا تقدر على ملاقاة الطبيب فكيف بالمدير؟ وإن
أحسن التعامل معك وكنت في هذه من المحظوظين وهي صفة
نادرة لمريدي المركز فسيلقاك سكرتير الطبيب بكلام متملق
أحسن تلقينه أقل ما يقال عنه إنه أشبه بحوار الطرشان
أو جدل بيزنطي يصدر من جاهل أهون ما يتصف به أنه " لا
يفيد الذكي ولا ينتفع به البليد " حسب ابن رشد .
ولعل أهم ما يمكن أن يقال في هذه العجالة هو التقصير
الحاصل والإهمال المستشري من وزارة الصحة التي هي
الأخرى إحدى أقدم الوزارات مما يعني أنه من المنطقي بمكان أن تكون الوزارة المذكورة قد حظيت بقدر كبير من الهيكلة
والأداء المتميز مما يتطلب منها إنشاء لجان رقابة
ومتابعة لهياكلها المنهارة في كافة أنحاء البلاد.
فلم أر أو أسمع أن وزارة دولة تفشل في كافة المجالات دفعة
واحدة وتفقد السيطرة على توابع هي في الحقيقة أقرب إليها من حبل الوريد.
فالفشل الذريع والسقوط الشنيع باتا السمة البارزة لأداء قطاع الصحة وما نيط به من مهام.
ولعل الصفة الظاهرة للمواطن العادي من قاصدي مرافق الصحة العمومية أنه أشبه بالمستجير بالنار من الرمضاء،
فالأبواب موصدة هنا وهناك وأسعار الخدمات المتواضعة
المقدمة للمواطن مرتفعة بصورة جنونية حتى ليخيل إلى
العاقل أنها أسعار دول الخليج أو الدول الإسكندنافية،
ولا تدري أي الخدمتين أنجع وأفضل الخصوصية أم العمومية ؟
فكلاهما سور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله
العذاب... وأحسن صفة للخدمات الصحية الموريتانية أنها
سراب يحسبه الظمآن ماء...
وأخيرا وليس آخرا أقول إنه آن الأوان لأن تخلص الحكومة
إلى خطة تنموية متكاملة تنقذ البلاد من التدهور
والدمار الظاهرين للعيان وليس قطاع الصحة إلا مثالا على الفشل المتأصل في بقية القطاعات رغم أن الوطن كون آلاف
المختصين في جامعات غربية وهم من قاد البلد إلى هذه
النتيجة فلم يحصل المواطن على مرافق عمومية مثل أفقر
الدول الأفريقية ولم يجد عاصمة تشفي ناظريه أو تشابه
ما حازته الدول المجاورة على أقل تقدير.
ولعل أهم ما يمكن أن يقال أن يطالب المواطن العادي بخدمات معتبرة وبداية مسيرة عمرانية تبقي للوطن ماء وجهه وتنحى به وجهة عقلانية تؤتي أكلها ولو بعد حين.
فليس من الرشد بمكان أن تبقى أحسن صورة وصفية للوطن العزيز أوصاف الزبيري في روايته الشهيرة" أرض واق الواق" .
02/10/2007
| the bad siuation of hea lthly en mautitania bashir 05-10-2007 11:12 no coment it is a truth. Sincerr.elly |
| embaya68@yahoo.com |
| مركز الاستطباب من الداخل دكتورطارق اديب 14-10-2007 21:06 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . مقال جد رائع .. ونحسه بانه يلمس كبد الحقيقة وكما تعودنا من مقالاتك السابقة التي تسمع صداها يدوي بقوة فها هو مقالك هذا يكون كمن سبقه ، مقال ينتقد بطرقة رائعة ودقيقة ويرينا واقع الحال . فبارك الله فيك وكثر الله من امثالك . |
| tareksh2000@yahoo.com |