عدالة موريتانيا العوراء..!!

2008/04/13

بقلم عبدالله ولد بونا

حسب جريدة العلم فإن سمو الأمير حمد حاكم قطر -الذي كان وصل إلى سدة السلطة بانقلاب على والده الشيخ خليفة- طلب في لقاء مع السيد الرئيس سيدي ولد الشيخ عبدالله إعادة النظر في ملف الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع ليعود إلى الوطن مواطناً كامل الحقوق، فكان رد سيدي إيجابياً شريطة أن يقوم حمد بزيارة رسمية إلى نواكشوط لمناقشة الموضوع عميقاً.

طار حمد إلى نواكشوط، وتجول فيها هو والسيدة حرمه تحت وابل الرصاص المتطاير شمال شرق القصر وغربه.

ثم تمضي الرواية إلى تفاصيل استدعاء سيدي لولد الغزواني وولد عبد العزيز ليشرحا للأمير استحالة قبولهم بعودة معاوية حيث أنه حسب رأيهم سيكون عرضة للمحاكمة والملاحقة الدولية بسبب ملف الزنوج، بل أنه لن يكون آمناً إذا قرر الإقامة بالوطن، فما كان من حمد إلا أن أمر طاقم طائرته بتشغيل محركاتها عائداً إلى الدوحة.

وفي نفس اليوم، سقط فخامة الرئيس سيدي مغشياً عليه حسب مصادر أخرى بسبب هبوط السكري لدى فخامته وبسبب الاجهاد البدني والذهني -سلم الله الرئيس ومد عمره-.

وبغض النظر عن دقة ما نقل فإن ملف عودة الرئيس السابق معاوية يبقى مرتبطاً إلى حد عميق مع ملف الانقلابيين وبقية أركان نظامه الذين يحاولون بكل السبل تجيير كل الجرائم السياسية والاقتصادية والأمنية في عهد معاوية باسمه وحده، فهل الرأي العام العالمي والموريتاني غبي إلى درجة تقبل طرح جنرالات الوقت الضائع؟ السيد معاوية هو أحد الوجوه الوطنية التي وصلت إلى قمة الهرم سنة 1984 بدعم فرنسي جاد أطاح بوجه وطني آخر هو السيد محمد خونا ولد هيداله، ولعل نقطة التقاطع الوحيدة بين العهدين هي دماء وجوه وطنية أخرى حاولت الإطاحة بالسيد ولد هيداله في مارس 1981 حين تم إعدام ثلة من ضباطنا في غضون أيام من فشل محاولتهم الدامية تلك.

ضباط ينتمون إلى محتد السؤدد القبلي والجهوي والوطني، وقد كان لذويهم موقف يستحق أن يسجل بالإكبار والتقدير إذ أن أغلبيتهم رأوا في مصرعهم ثمناً كبيراً لابد من أن يدفعه كل من يسعى لتسلق قمم المجد والسلطة، وفي 1989، تحركت ثلة أخرى من الوجوه الوطنية ذات الهوية الزنجية بنفس الطموح ضد معاوية فدفعوا ثمن طموحهم القاتل ذلك، تماماً كما أجهض الرئيس السابق معاوية محاولة صالح ولد حننا ورفاقه 2003، تلك المحاولة الدامية إلى حد المأساة، فليس فقط العقيد ولد انجيان الرجل الطيب الخلوق من كان ضحيتها لتذهب دماءه هدراً كما ذهبت دماء كثيرين من أبناء الوطن مدنيين وعسكريين وشرطة وباعة متجولين.

كل تلك المحطات تكومت لتصنع جبل الثارات المتطاول على سارية العلم الوطني، لتنظر العدالة الموريتانية بعين عوراء دائماً كلما تعلق الأمر بالبحث عن الحقيقة وكلما ارتفعت أصوات وطنية مخلصة مطالبة بإحقاق الحق وسيادة القانون بدل أن يوفر القضاء الموريتاني دائماً غطاء حماية لكل من ينجح في احتلال القصر الرمادي بالقوة الغاشمة.

إن شخصية الدولة الموريتانية تبدو أضعف ما تكون كلما كان الوطن بحاجة إلى نبش ملفات جنائية وسياسية كبرى تتعلق ببقاء الوطن نفسه.

فملف العسكريين الانقلابيين الزنوج وجد من يوظفه كورقة إنسانية تهدد أغلب رموز المؤسسة العسكرية بالملاحقة الدولية، مما دفع بالمتورطين فيه إلى جعله قصراً على الرئيس السابق معاوية، أما ملفات ضحايا الصراع على السلطة من العنصر العربي فقد بقيت يتيمة! وهكذا، قرر الفساد برموزه العسكرية والمدنية أن يتمترس خلف غطاء الديموقراطية وإلصاق كل التهم بمعاوية لعل وعسى أن ينفذ بجلده من عقاب جماهيري وطني قبل الملاحقة الدولية.

معاوية لم يكن من يكتب التقارير المزيفة من عواصم الولايات ومن إدارة الأمن الوطني ومن المكتبين الثالث والثاني، معاوية لم يكن يتولى التحقيق المباشر مع الانقلابيين والاسلاميين والقوميين، معاوية كانت ترفع له كل تلك التقارير من أركان نظامه، أركانه الذين انغمسوا في بحر الفساد والظلم والوحشية دون رادع أو وازع ذاتي، وهم نفسهم من أطاحوا به في 3 غشت 2005.

فهل يعتقدون أننا سنصدق أنهم غير ضالعين في كل سيئات العهود السابقة؟ فمن يحمي الآن في الوطن أباطرة المخدرات؟ ومن يمشي بسرعة فائقة في طريق العمولات وسرقة كل عوائد الوطن؟ وبأي منطق يرى جنرالات الرئيس أنهم آمنون أكثر وأن السيد معاوية غير آمن؟ معاوية اختلفنا أو اتفقنا معه تبقى عودته كمواطن كامل الحقوق شرطاً موضوعياً لمصالحة وطنية على الجميع أن يسعى إليها.

وسيكون اكثر أمناً وراحة بال من حفنة الانقلابيين المختبئة خلف ستارة سيدي، الرجل الطيب والمسكين.

معاوية ابن الوطن وابن أدرار وحليفة يحيى من عثمان والمخطط الاستراتيجي لن يكون في وضع ضعيف إذا حسبناها بالطريقة الجاهلية كما يفعلون هم اليوم بحساباتهم للوطن.

إن موريتانيا أمام خيارات صعبة فإما أن تعم مقولة عفا الله عما سلف لتشمل الجلاد والضحية، وإما سيتواصل تكدس الثارات وتبادل أدوار دامية على عتبات القصر الرمادي وعبر خارطة الوطن.

عدد القراءات:

علق على المقال

عدالة موريتانيا العوراء..!!
محمد أحيد ولد سيدي
14-04-2008 21:11
مقالة شاملة ومعبرة بطريقة سيمتها الحياد عن واقع بلدنا الذى نرجو له من الله السلامة من هذا المخاض العسير.
isselmou4@yahoo.fr
عدالة موريتانيا العوراء
محمد سعيد
16-04-2008 05:26
مقال مخابر قديم حديث الله وحده يعلم مغزاه ومستقره، ماذا تريد يابن بونه؟
asdar@ hotmail.com
عدالة موريتانيا العوراء
soulaymane ould hamidoun
16-04-2008 22:41
شكرا للأخ عبد الله بونه على هذا التحليل الشامل الوافي لمسار الانقلابات العسكرية في البلد وحقيقة أعجبتني موضوعيته الصادقة التي تدل على قوة التحليل وإلمامه بحقيقة الوضع السياسي في موريتانيا اليوم وبعد اطلاعي على مقالكم العنون جنرالات الوقت بدل الضائع ازددت تلهفا لقراءة المزيد من الطرح الجاد والجيد والجريء فمزيدا من العطاء والتميز
مع التحية
د. سليمان ولد حامدن أكاديمي موريتاني مقيم بليبيا
soulaymane77@yahoo.fr
عدالة موريتانيا العوراء
باسي بن تغي
17-04-2008 09:43
يتسم هذا المقال بعمق وشموليةوقد كان لصاحبه أن يظل كذلك ؛ غيرأن- قصر نفسه - على ما يبدو أدخله في أمور ليست كذلك . فمتى كان ظلم الظالم الجديد يبرر الدفاع عن ظالم قديم . ( عفا الله عنك لم ............ الآية )
x65rs@hotmail.com
عدالة موريتانيا العوراء
عبدالله ولدبونا
17-04-2008 11:53
العزيز محد احيد تأمل جيدا فى رسالة مقالى ،انها رسالة تقول انه ليس مقبولا ان يظل الوطن رهين صراعات تتخذ من كل دورة سياسية مشجبا تعلق عيه أخطاءها وفشلها،انها دعوة لمصالحة وطنية حقيقية تطوى صفحات الثأر والأقصاء ومالم نصل الى مرحلة المصالحة الشاملة فنظل كما نحن اتمنى لك وللوطن التوفيق
abdalla_sidi@yahoo.com
عدالة موريتانيا العوراء
عبدالله ولدبونا
21-04-2008 19:52
التعليق الأول نموذج باهت من رؤية البعض لكل الأقلام الحرة والواعية. يسأل ماذا يريد ولدبونا؟ وأقول له أني أريد وطناً تعي قيادته وشعبه أهمية وضرورة النهوض به بعيداً عن الرؤى الضيقة المشخصنة. وللأسف فالكثير من القراء الموريتانيين لم يتعودوا على الكتابة بحس علمي صادق، وأتمنى التوفيق للجميع.
abdalla_sidi@yahoo.com
تنبيه :حقوق الطبع محفوظة لموقع الديار