2009/08/30

من رحاب المسجد النبوي: مشاعر معتمر شنقيطي

بقلم عبد الفتاح ولد اعبيدن

قبل عقود من الزمن كانت نفوس الشناقطة تهفو إلى الحج والعمرة وزيارة صاحب الضريح النبوي الشريف محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، واليوم مازالت تلك الدوافع الدينية الراسخة تدفع الألوف سنويا إلى بذل الجهد الجهيد للوصول إلى هذه المقدسات الإسلامية، مهما بعدت الشقة وعلت الكلفة وتنوعت المخاطر والتحديات ، حتى رغم شيوع الحديث عن وباء انفلونزا الخنازير لم يتردد الزائرون عن شد الرحال إلى المسجد النبوي والمسجد الحرام قصد العمرة والزيارة .

والملاحظة الأولى التي تستحق التسجيل في مطلع هذا السياق أن الوصول إلى هذه الديار المقدسة لم يعد بالأمر الهين ، فالمرأة الأقل عمرا من خمس وأربعين سنة، لايمكن أن تفكر في التوجه إلى هنا دون محرم، وإن أحتج المالكيون بوجود الرفقة المأمونة ،فمستجدات المجتمعات المعاصرة، وبعض تسيب في القيم والأخلاق ،فرض التدقيق في هذا الجانب الاحترازي الضروري، ومن جهة ثانية بمجرد الزيادة على الفترة المأذونة (مدة التأشيرة ) ستكون الغرامة فرصتك لتتكلف – لاقدر الله – مالا تستطيع فعلا على وجه راجح .

ولولا تكاتف وتضامن الموريتانيون المقيمين مع الزوار المعتمرين لما سهلت الإقامة على سوادهم الأعظم ،لارتفاع سعر الإيجار، سواء في المدينة المنورة أو مكة المكرمة، خصوصا أيام الموسم .

ولكن المثير للملاحظة هذا الإقبال المشهود من قبل رجال الأعمال السعوديين على إفطار الصائم ، حيث تزدحم الساحات في كلا الحرمين (المسجد النبوي والمسجد الحرام) بالمياه والرطب والمشروبات والمأكولات أحيانا، ليتسنى للصائمين إنهاء فريضتهم في يسر وراحة وارتياح.

ذكرني هذا المشهد الإسلامي الاجتماعي المعبر بأحوال البلد، فللأسف أغلب المساجد لا يوجد بها إلا نزر قليل جدا من المفطرات أوان الأذان، ولا تكاد أعمال الخير تجسد في هذه المناسبة الدينية العظيمة (صيام رمضان )إلا في حيز محدود ناقص. والحقيقة أن التجار كثيرون في بلدنا مثل شعرائه، و بعض المواطنين – بعدد معتبر– يمتلك أموالا طائلة ، لكن عقلية العمل الخيري، وخصوصا المنظم منه والعمومي، الخارج على دائرة القبيلة والعشيرة الضيقة، غير موجود بالقدر الكافي أو الملحوظ. إن رمضان حينما يقدم على هذه البقاع ( الحرمين )تشعر أن الدولة والمجتمع، بجميع المعاني ، في حالة تأهب قصوى، وإن كنت لا أتوقع نفس المستوى في بلد ضعيف مأزوم مثل موريتانيا ، لكن تحريك روح التعاون على البر والتقوى أصبح ملحا، لأن الأقوياء منا، في اغلب الأحيان لا يهمهم واقع الصائمين الفقراء ، ولا ينتبهون إللى ضرورة وفريضة التكافل الاجتماعي، خصوصا في هذا الزمان الربانى القرآنى المبارك (شهر رمضان المعظم ) والأمر باختصار يحتاج إلى مراجعة للنفس وتقوى في المال وإلى تنبه قبل فوات الأوان، إنه في حالات كثيرة مجرد التفريط والبخل ،ومنع المال عن من يستحقه، على الأقل لسد رمقه والإبقاء على الحد الأدنى من القدرة على التكيف مع مجرى الحياة ومتطلبات الأداء الديني اللازم و المنصوص .

إن كل الجهات المعنية ، مطالبة بالوقوف على حاجتنا المشتركة للتضامن والتعايش ، خصوصا في فترات الأزمات والضيق ،والعمل على تجسيد هذه الثغرات المتزايدة ،عسى أن نصلحها تدريجيا ، بتعمق روح العمل والجد ، والتكافل الاجتماعي، إن دعته إليه الحاجة ، بأي قدر أو قسط ، وفق طبيعة الواقع وإملاءاته القسرية ،التي لاينبغي تجاهلها أوغض الطرف عنها .

وللحق والتاريخ ، لابأس بالقول ، إن الجهات الرسمية في هذه البقعة الطاهرة توفر الكثير من العوامل والوسائل المساعدة على أداء العمرة والزيارة، فمن باب أولى مناسك الحج، وعلى مدار السنة كلها، لأن الزمان هنا، إن لم يكن حجا فعمرة ، إما عمرة رمضان أو غيرها، وهي فرصة مفتوحة في أغلب الأحيان، رغم الصعوبات المالية والبدنية والصحية أحيانا ،التي تواجه بعض المنخرطين في هذه الرحلة الروحية البليغة .

ولعل مما يحسن التنبيه إليه في هذا المقام أن عمرة في رمضان تعدل حجة معه صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح عن أبي طليق رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم :فما تعدل الحج معك ؟قال :"عمرة في رمضان " .

وإنه من دواعي الغبطة على وجه العموم أن نلاحظ باستمرار إقبال الناس على دين لله وتزايد الصحوة الإسلامية في الأوساط العمرية المتنوعة دون استثناء، فهل يفهم الحكام هذه الصحوة في حدود الرعاية، ويحفظها العلماء والدعاة بالتوجيه والوعي الإسلامي الصحيح، دون إفراط أو تفريط؟!.

من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ماتقدم من ذنبه ، من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ،من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئا، العمرة إلى العمرة كفارة لما بينها (أحاديث نبوية صحيحة )
إنها بعض ملامح هذا الخير الربانى الفسيح في شهر القرآن والصيام والقيام ، شهر رمضان المعظم ،فليت السنة كلها رمضان !!!.

قال الله تعالى :سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله ذالك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوا لفضل العظيم" سورة الحديد.

والمصلى في رحاب هذا المسجد النبوي خصوصا أيام رمضان يشاهد مباشرة حجم هذا السباق نحو الخالق ،طلبا لرضوانه ومغفرته وفضله العظيم في الدنيا والآخرة ،والله يختص برحمته من يشاء .

ومن الجدير بالذكر أن الكثير من الشناقطة يقيمون هنا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حي (السيح)خاصة،المشهور بجاليته الموريتانية، التي أبت إلا أن تحمل معها تقاليدها العريقة أينما حلت، تلك التقاليد المتأثرة بالبداوة العربية الأصيلة، النزاعة إلى الكرم والضيافة و الانفتاح الزائد في نظر البعض .

ويبقى من الملاحظ أن هذه الأرض الطيبة البعيدة بالنسبة للكثير من سكان المعمورة يتداعي إليها المسلمون المعتمرون في هذا الشهر – رغم الظروف الصحية الراهنة المتلبسة بالوباء المذكور وقانا الله وإياكم منه (ءامين)- حيث لايشغل عنها شاغل عشاقها الحقيقيين وقصادها المحبين . وعلى المستوى المدني (وأعني بالمدني مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم) فإن إتساعها وصعوبة النقل أحيانا من أطرافها ،لاتمنع أغلب الزوار من الحرص على الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام "رواه مسلم.

وفي هذه المدينة مزارات إسلامية تسن زيارتها ،مثل مسجد قباء "ركعتين فيه تعدل عمرة"وضريح شهداء أحد ،حيث سيد الشهداء ،عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة إبن عبد المنطلب رضي الله عنه ، والبقيع مأوى لآلاف الصحابة ،وعلى قائمتهم في هذا البقيع الطاهر عثمان بن عفان ثالث الخلفاء "ذي النورين"، أما أبوبكر وعمر رضي الله عنهما ،فهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المدينة ، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :اللهم أجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة المكرمة من البركة "حديث صحيح رواه البخاري ومسلم
اللهم إجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم ،وأرزقنا من بركة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وأجعل عمرتنا كحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
اللهم ثبتنا على النهج القويم ،ءامين .
مدير يومية "الأقصى" من المدينة المنورة

عدد القراءات:

علق على المقال