2010/01/10

إلى أين سيصل محمد ولد عبد العزيز؟

بقلم أحمد ولد هارون ولد الشيخ سيديا

في غمار الاهتمام بجملة الإجراءات الإدارية والقضائية والمالية المتسارعة التي يفتتح بها الرئيس الموريتاني الحالي، السيد محمد ولد عبد العزيز، مأموريته الانتخابية، وما يصاحب هذه الإجراءات من تشكيك في صدقيتها وتخويف من تأثيرها على التوازن السياسي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، يبدو من الأنسب في مبتدإ هذه المرحلة وضعُ العملية في إطارها العام والسؤالُ عن حجم ونوعية التغيير الذي يريده الموريتانيون ومدى قدرة الدولة والمجتمع على إحداث واستيعاب تغيير سياسي واقتصادي وأخلاقي ذي بال.

وإذا كان مجرَّد طرح السؤال إلى أين سيصل محمد ولد عبد العزيز؟ يفترض معرفة سابقة بالنقطة التي انطلق منها هذا الرئيس والنقطة التي وصل إليها ودراية كافية بالمخطط المتكامل لنظامه السياسي، فإن مثل هذه المفاتيح يتعذر تحصيله في البئة الموريتانية نظرا لبدائية الأشكال والأدوات التي تُبنَى بها الظاهرة السياسية في البلاد وارتجالية ما عرفته حتى الآن من تغييرات.

من هنا، سيكون التحليل شخصيا أكثر منه بنيويا وسينطلق من فرضية أخرى أكثر بساطة وتحديدا، مفادُها أنّ ما يمكن أن يُطلَق عليه - مع كثير من التجوُّز - مشروع محمد ولد عبد العزيز الإصلاحي، يشكّل اليوم أفقاً أوْحدَ للتغيير السياسي في موريتانيا. وذلك لسببين:

الأول، هو أن السلطة القائمة قد أبدت شيئا من الاستعداد للنقد والإصلاح الذاتي وحاولت أن تحدد رؤية ما للتغيير، أرجعت من خلالها كل موبقات البلد إلى عامل الفساد وشرعت في اتخاذ خطوات متصاعدة في صميم الموضوع.

والسبب الثاني، هو أن محاولة الجانب المعارض تثبيطَ همة النظام دون مبادرته إلى تعديلات داخلية وعجزه حتى الآن أو تكاسله عن طرح رؤية تغييرية تتماشى والمستجدات السياسية الطاغية... إنما يَشي بغياب المشروع والحس التجديدي لدى هذا الفاعل السياسي المهم. مع العلم أن الموضوعية تقتضي هنا تحميل الجزء الأكبر من المسؤولية للدولة ومن يحكمها، إلا أنها تقتضي أيضا أن يكون النقد مزدوجا وشاملا لمختلف دوائر الفعل السياسي.

لهذه الأسباب وتلك، سيدور الاجتهاد والنقاش حول خطاب محمد ولد عبد العزيز الإصلاحي ومدى قدرة هذا الخطاب على التحقق ميدانيا وبوادر التغيير لدى النظام القائم ومفارقاته وتحدياته وما هي أدواته السياسية والبشرية والمؤسسية؟ إضافة إلى تساؤلات أخرى مطروحة حول النُّخَب التي تتحمل مسؤولية التنظير للمشروع والدفاع عنه وإنضاجه؟

في أي دولة أو تنظيم سياسي، يمكن للتغيير أن يحدث، إما بصورة جذرية نتيجة لأحداث عنيفة كالثورات والحروب الأهلية والغزو الأجنبي، أو بسرعة نسبية إثر تطور صناعي أو تكنولوجي أو مخطط سياسي واقتصادي جذري أو اكتشاف ثروة هائلة... وقد تتبدل الأحوال تدريجيا - وهذا هو الأغلب في بلدان العالم - فتتراكم كميات متنوعة من العناصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتجعل من البلد بلدا آخر.

شيء من هذا لم يحدث في موريتانيا التي ظلت تجارِب التغيير فيها مقتصرة على بعض الانقلابات العسكرية البيضاء، البسيطة في برامجها ومشروعاتها التي لا تتجاوز بعض البيانات المهذبة والحماسية وشيئا من الشمولية والفساد السطحييْن دون أي ديناميكية سياسية تذكر وبعض التعديلات الطفيفة في العلاقات مع دول الجوار.

حتى إذا جاء الرئيس الأسبق، السيد معاوية ولد الطايع يوم 12 12 1984 إثر انقلاب أكثر شعبية من سابقيه، واستتبت له الأوضاع في بداية سنوات التسعين، استطاع أو استطاعت مجموعة من أنصاره العسكريين والمدنيين أن يشيدوا نظاما سياسيا جديدا، يعتمد في الأساس على المال العام، ومتميزا بإقرار التعددية الحزبية وتنظيم الانتخابات المزورة وكثرة التمويلات الأجنبية واستفحال الطبقية الاقتصادية وسحْق الطبقة الوسطى وانتشار البؤس واستشراء الفساد وتراجع القطاع العام في جميع الميادين لصالح قطاعٍ خاصٍ أصبح في معظمه سندا للفساد ودسِِّ هيبة الإدارة وامتصاص أموال الدولة.

نتائج التخريب هذه، لم تقُد إلى تداعي كيان الدولة ومؤسساتها فحسب، بل أدت إلى تقهقر أداء النخب الثقافية والاجتماعية والطلائع والحركات والأحزاب السياسية. ويكفي آنذاك ما يسمى بالأطر، أن يظهَر الواحد منهم في بعض مناسبات إعلان الولاء المحلية أو الوطنية ليعيَّن في منصب سام وتوضع تحت يديه ميزانية ليستولي على ما تيسر من مال الدولة الثابت والمنقول. ومع ذلك ت

بقى حصة الموظف المرتشي من عمليات الفساد ضئيلة إذا ما قورنت بحصة التاجر الراشي والسِّمْسار الفاسد.

ففي عملية نموذجية، احتال آنذاك تاجر متوسط وموظفان ساميان في أقل من ساعتين من نهار على 200 مليون أوقية من مال الدولة، فحصل الموظفان على أقل من 10 ملايين وحصل التاجر الذي هو صاحب المبادرة على الباقي. مع العلم أن تجريم المشرع للموظف أغلظ بكثير. لقد حدثت بالفعل، في تلك الفترة المميَّزة من حياة موريتانيا، تغيرات وظواهر على هذه الشاكلة، سياسية واجتماعية واقتصادية وأخلاقية بارزة لا يمكن إغفالها من تاريخ البلاد السياسي، لِما تركته من آثار بالغة على الدولة والمجتمع.

أما الفترتان المواليتان فقد شكلتا باتفاق كثير من الموريتانيين تمددا سَلِسا وقصيرا للنظام المذكور. تجلى ذلك في مواصلة الفساد على قدم وساق خلال الفترتين دون التعرض لأي ملف من ملفاته أو شخص من أشخاصه، كما تجلَّى ذلك أيضا في التأييد السريع من قبل سَدَنَة النظام السابق ومشاركتهم بنشاط ومن أعلى المستويات في تحضير وتسيير الفترتين المذكورتين.

وقد بدا ذلك بصورة أوضح خلال الأزمة السياسية التي رافقت تعيين حكومتي السيد يحيى ولد الوقْف وما صاحب ذلك من بذل الحرس القديم كل جهوده لإعادة بناء الأغلبية الرئاسية لصالحهم ومحاولتهم بعد ذلك تصفية قادة الجيش بواسطة مرسوم رئاسي استصدروه من الرئيس المنتخب، ليكونوا بذلك قد قضوا على آخر عقبة تعترض وضع الدولة وخيراتها ومؤهلاتها في ملكيتهم الخاصة، لكنْ بصورة ديمقراطية وشرعية هذه المرة. لكن استيلاء الجنرال محمد ولد عبد العزيز على الحكم بالقوة يوم 6 أغشت 2008 أحبط هذا المشروع.

وقبل نهاية هذه الفقرة السردية، قد يكون من المهم التذكيرُ بأن المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية عما يحدث في عهده مما لا تحمد عقباه، لا يترتب عليها بالضرورة سوء نية هذا الرئيس أو سوء الرئيس نفسه، كما لا يتنافى ذلك مع وجود نقاط إيجابية في عهده والعكس صحيح. إلا أن الخطوط العريضة لأي عهد والمؤثرة في مسار المشروع الوطني هي التي تبقى بارزة في التاريخ السياسي للبلد.

بعد استيلائه على الحكم ودخوله في مواجهة المفتوحة مع كل من موالاة ومعارضة ولد الطايع والضغوط الدولية، توجه ولد عبد العزيز إلى الداخل وحاول أن يبني خطابا إصلاحيا هجوميا أرجع من خلاله كل مشكلات الإدارة والمعيشة إلى تفشي ظاهرة الفساد، فرفع في ذلك وخفَض حتى حصّل قاعدة شعبية، زيادة على شعبية الانقلابَيْن العسكرييْن نفسيهما الذيْن قادهما بصورة مباشرة أو غير مباشرة سنتي 2005 و2008.

أمَا وقد فاز في الانتخابات التي تم الاتفاق االسياسي على تنظيمها 18 يوليو 2009 وحصل على اعتراف دولي وربط علاقات طبيعية مع مختلف القوى والمنظمات الدولية والإقليمية، من السعودية وقطر والكويت إلى إيران ومن الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين إلى فنزويلا وسوريا وليبيا ومن المغرب والسنغال إلى الجزائر ومالي... ثم حصوله مؤخرا على الاعتراف الضمني من قبل المعارضة، فإن محمد ولد عبد العزيز يكون بذلك قد امتلك ناصية السلطة السياسية بالمعنى الموريتاني التقليدي للكلمة. وفي هذا الوقت بالذات، تكون الأسئلة أكثر إلحاحا حول تطابق الأقوال مع بدايات الأفعال والسياسات المعلنة والملامح العامة لسلوك السلطة.

يمكن فحص ذلك التطابق عبر ثلاث نقاط، هي محاربة الفساد ومحاربة الفقر وتجديد الطبقة السياسية. لا لكون هذه النقاط تشكل أركان خطاب محمد ولد عبد العزيز السياسي - الذي هو موضوع المعالجة - فحسب، بل لأن النقاط الثلاث تعتبر من أهم محاور جدول الأعمال الوطني اليوم أو في كل الفترات وربما ضمَّنها مرشحون آخرون وأحزاب أخرى برامجهم السياسية. غير أن ما يُسَطَر ويقال من البرامج شيء، وما تلصقه عامة الناس وخاصتهم بهذا السياسي أو ذاك من برامج وأهداف شيء آخر.

ولا يحق لأي جهة – سواء كانت في الحكم أو في المعارضة أو كانت حزبا إيديولوجيا أو عرقيا أو نخبة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية – أن تصنع للموريتانيين قضيتهم. بل إن دور الساسة والنُّخَب هو صياغة القضايا الوطنية بناء على مطالب وحاجات الناس والرد على أسئلتهم والسؤال على ألسنتهم. وهذا وحده هو الذي يمنحهم الشرعية والقبول عند الناس. و"العبقري كما يقول هيغل، هو الذي يستطيع أن يَصوغ ما يفكر به عامة الناس.

محاربة الفساد:

تقتضي الموضوعية في هذا الباب، القول إنه بعد ستة أشهر من تنصيب محمد ولد عبد العزيز وتعيين حكومته، أصبح هناك من المظاهر العامة في الإدارة والمشهد السياسي ما يوحي ببداية انحسار الفساد أو على الأقل بالشكل الذي كان عليه أثناء تلك الحِقب السوداء التي لا رقيب فيها ولا رادع سوى تصادم فريقين من المفسديد أو أكثر على الفريسة. لقد وصلت الإجراءات التي اتخذها النظام في إطار سياسة محاربة الفساد مرحلة يصعب معها تراجعه أو توقفه وسط الطريق، كما يصعب معها التشكيك في استعداد ولد عبد العزيز للمواجهة وفتح الملفات الكبرى واسترجاع بعض مال الدولة المنهوب.

فالمبالغ المسترجعة خلال الموجة الأولى من العملية ضخمة والعقوبات والإكراهات البدنية بلغت حد السجن. أما الضحايا فإن من بينهم موظفين سامين وبعضا من كبار التجار ومُلاك المصارف والمصانع والشركات والعقار في البلاد. وقراراتُ التجريد من الوظائف وإلزامُ الموظف المجرَّد بإرجاع الأموال المفقودة إثر سوء التسيير أو الاختلاس على أصبحت شبه أسبوعية ولم ينج منها كبار أنصار وحلفاء ولد عبد العزيز نفسه. إن اختلاس المال العام أصبح اليوم في غاية الصعوبة باتفاق كثير من الموريتانيين العاملين في الإدارة وخارجها.

التصريحات والكتابات التي تناولت الموضوع، كانت في أغلبها، إما متحاملة على النظام ومتهمة إياه بالانتقائية السياسية والقبلية أو مفرطة في الانحياز للنظام ومتحاملة على الضحايا وذويهم ومحمِّلة إياهم مسؤولية ما حدث من فسادٍ أيامَ ولد الطايع.

لكن تحويل الملفات العالقة بين الدولة وبعض مواطنيها إلى قضايا قبلية أو عرقية، أمر في منتهى الخطورة ويمكن تفاديه بتركه في نطاقه الأصلي. لأن ظلم الدولة لبعض مواطنيها أو ظلم بعض المواطنين للدولة أمر معتاد في كل أنحاء الدنيا ويمكن إنهاءه في أي لحظة، على عكس النزاعات العرقية والقبلية التي لا أول لها ولا آخر.

وقد دأب بعض النشطاء في معارضة ولد الطايع على تحويل ملف العبودية وملفات المبعدين والضباط والجنود الزنوج الذين أعدموا إثر ما وُصف بمحاولة قلب النظام من قضية بين الدولة ومواطنيها إلى صراع بين الزنوج وإخوانهم العرب أو بين العرب السودان وإخوانهم البيضان. كل ذلك لأغراض انتخابية عابرة أو لكسب ودّ جهات أجنبية. ولولا شيء من التماسك داخل الجيش واعتدال بعض قادة المعارضة، أمثال السادة مسعود ولد بلخير وأحمد ولد داداه ومحمد ولد مولود وتيار الإصلاحيين... لحلت الكارثة التي سعَّر لها هؤلاء المسعّرون.

عامل آخر يزيد من مصداقية محاربة ولد العزيز للفساد، هو أن حكومته جاءت خلْوا من الموسومين بالفساد، وكذلك أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب الحاكم الذين اختارهم بنفسه قبيل استقالته من رئاسة الحزب.

غير أنه مقابل هذا، ومن المآخذ الشعبية والإعلامية على محمد ولد عبد العزيز في الموضوع، ما يُحكَى عن تشكّل معظم طاقمه الرئاسي من رجال موسومين بالفساد أو مدافعين عن الفساد وكذلك بعض سفراءه في دول مهمة وموظفان ساميان آخران أو ثلاثة ممن لم يتم حتى الآن تجريدهم.

وكَمْ قائلٍ هنا إن هؤلاء لم تصدر ضدهم أحكام قضائية وإن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وإن لهؤلاء تجارب إدارية وسياسية وفنية كبيرة ينبغي أن تستفيد منها الدولة والنظام الناشئ في مرحلة أولى، خاصة أن محمد ولد عبد العزيز لا يتمتع بتجربة سياسية طويلة ولم يُنه بعد اختيار رجاله، أو إن هؤلاء قد تابوا مما مضى من فساد ولن يستطيعوا القيام به اليوم في ظل الرَّقابة المالية الصارمة، وإنهم مع ذلك كله لم يعيَّنوا في مناصب تجعل تحت أيديهم ميزانيات مهمة... إلى غير ذلك من المعاذير التي قد تكون جزئية في موضوعيتها.

لكنْ، مادامت الحملة على الفساد أخلاقيةً في مقامها الأول، ومادام هؤلاء الأشخاص يوسَمُون شعبيا وإعلاميا بالفساد، فإن الحقيقة الاجتماعية تكون أحيانا أقوى من الحقيقة القضائية والسياسية، بل من الحقيقة الدينية التي من أهمها وآكَدِِها ما يسمى "المعلوم من الدين بالضرورة" وهو الذي لا يُحتاج في إثباته لأي نص أو برهان. وعلى أية حال، إذا لم تكن الأمة غنية عن خدمات هؤلاء، فإنهم سيظلون عامل خدش لعملية التطهير التي يقوم بها ولد عبد العزيز ونظامه وعامل إحراج وتثبيط للقائمين عليها وعامل تشويش على المدافعين عنها.

ولاشك أن القارئ سيستغرب أن يكون هنا أو في بعض فقرات المقال الأخرى حضور أو تحيُّز. إلا أن هذه المعالجة، وإن كانت تتوخى التوصيف الموضوعي ووضوح التحليل والتمييز بين الوقائع والرأي، فإنها أيضا معالجة ذات قناعة وحس سياسيين أبعد ما يكون من الحِياد تجاهَ ما حصل ويحصل في الوطن من تطورات.

محاربة الفقر:

لما انتخبت الأغلبية الموريتانية الفقيرة محمد ولد عبد العزيز على أساس أنه سيحارب الفقر، أشفق المدركون لعمق الأوضاع الاقتصادية في البلاد على كل من الرئيس المنتخب والناخبين. فمن جهة، هناك الأكثرية الساحقة من الموريتانيين الذين بلغ بهم الفقر درجة لا يستطيعون معها الانتظار، ومن جهة ثانية لا يمكن لأي مشروع اقتصادي تنموي ذي شأن أن يؤتي أكله في أقل من سنوات. وأسرع شيء في هذا الصدد هو محاصيل الزراعة التي لا يمكن جنيها في أقل من عام إن تهيأت لها الظروف. أما الوعاء السياسي والاقتصادي والبشري للدولة، فليس مهيئا لأداء أبسط الوظائف الاقتصادية والاجتماعية وأهمها.

ولا سبيل إلى محاربة الفقر في موريتانيا ومثيلاتها من الدول دون إقرار مبدإ تدخل الدولة في مختلف القطاعات ووضع الموارد الطبيعية للبلد تحت السيادة الوطنية الكاملة وإعادة ترميم وإعمار القطاع العام والاعتماد على الذات وتأهيل الموارد البشرية والطبيعية وتحديد الأهداف القريبة والبعيدة والمتوسطة حسب الإمكانات والحاجات الذاتية لتغيير ميزان القوى لمصلحة ثلاثة ملايين من الفقراء. وليكن القطاع الخاص مدعوما ومزدهرا، لكن مع إخضاعه للضرورات الاجتماعية والأولويات الوطنية، لا إخضاع هذه الأخيرة لحاجات رؤساء الأموال وشركائهم من الدول والشركات الأجنبية.

قد يفلح النظام الجديد إلى حد ما في إعادة توزيع ما يتاح من موارد مالية شحيحة تم تحصيلها بشق الأنفس وتحميل السلع المستهلكة والمواطنين من الضرائب ما لا قِبل لهم به... وذلك بتوجيه أجزاء مهمة من الميزانية لتأهيل بعض القطاعات الخدمية كالماء والكهرباء والمستشفيات إلى حد يلبي الاحتياجات الأولية الملحة لمئاتٍ أو آلاف على الأكثر من المواطنين الذين لم يحلموا يوما أن تصل إليهم يد الدولة وهذا شيء في غاية الروعة والنبل.

لكن الموارد المتاحة أبعد ما تكون من القدرة على إنشاء مؤسسات إستراتيجية وذات مصداقية قادرة على إحداث التنمية واستيعاب ثلاثة ملايين فقير وتوظيف مئات الآلاف من العاطلين عن العمل وزيادة القوة الشرائية للطبقة الوسطى. فالمسألة تتطلب - بالموازاة مع محاربة الفساد - حزمة من المؤسسات المُحْكمة والمشروعات الراديكالية المترابطة مع بعضها وفق الأولويات.

وإذا كان الذهن السياسي الموريتاني قد أدرك خلال العقود الأخيرة أن التعويل في موريتانيا على الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني لإنجاز الحداثة والديمقراطية والتقدم قد أصبح ضربا من ضروب التفريط والعبَث ، فإن عليه أن يدرك الآن ويستوعب أن التعويل في موريتانيا على القطاع الخاص والمساعدات الخارجية ومخططات المؤسسات النقدية الدولية، لإنجاز التنمية وتخفيف معاناة الشعب من ويلات الفقر والبطالة والجهالة، يعتبر أكثر عبثية وتفريطا ومغالطة للنفس.

ومما بات بينا بنفسه أن من أكبر أسباب الفقر وتعميق الطبقية الاقتصادية في موريتانيا، كما في كثير من بلدان العالم الثالث، ما يسمى برامج التقويم الهيكلي وبيع مؤسسات الدولة بأبخس الأثمان الذي تفرضه المؤسسات النقدية العالمية والدول المانحة تحت طائلة تحرير السوق والتجارة، مقابل تهميش الفقراء وسحق الطبقة الوسطى وليقال كل سنة إن الأمور بأحسن حال وتعطى الأرقام والبيانات القائلة بنجاح الخطوات التي قامت بها الدولة التابعة.

صحيح أنه من الصعب على الموريتانيين أن يتصوروا استغناءهم عن التمويلات التي لا تمنحها المؤسسات والدول الرأسمالية إلا لمن ينهج الليبرالية ويطلق اليد للسوق ويقلل من دور الدولة ويتبع وصفاتهم النمطية للإصلاح الاقتصادي. لكنْ، مما يسهل على موريتانيا ونوعها من الدول مهمة النشوز ولو جزئيا على هذه المؤسسات، ما أدت إليه النتائج الفظيعة للأزمة الاقتصادية العالمية من تراجع في تعصُّب المنظرين والفاعلين الاقتصاديين الليبراليين ضد مبدإ تدخل الدولة. بل إن تدخل الدولة الرأسمالية نفسها في بعض المجالات الاقتصادية أصبح أمرا حتميا.

ومن ينظر إلى المشروعات التنموية والمجالات التي تمولها هذه الجهات داخل موريتانيا، سيجد أنها لا تقارن من حيث الفائدة العامة والاستمراية بالمشاريع الإستراتيجية التي لا تمولها عادة إلا الدول العربية أو جمهورية الصين. كطريق الأمل وتمويل اسنيم بعد تأميمها وميناء الصداقة والمركب الجامعي الجديد قيد التشييد... ومع هذا وذاك، هناك من الدول من أحسن استغلال القروض والمنح لتحسين اقتصاداتها إلى حد ما، مثل مالي والمغرب...

ما بين يناير 1995 و يونيو 2001 مثلا، وقّعت موريتانيا اتفاقيات تمويل أزيد من 300 مشروع تنموي داخل البلاد بقيمة 321,392,477,226 أوقية. فأين هذه المبالغ وما فائدتها؟ حتى أسماء هذه المشروعات ومجالاتها يصعب على الموريتاني المتعلم العادي أن يفهمها، لأن قليلا منها ما يستثمر في الاقتصاديات الكلاسيكية التي هي محل معيشة الموريتانيين. أما تحليل هذه المشروعات ومجالاتها وأهدافها ومعرفة أي منها أنهى مدته وتحديد النِّسَب التي استرجعتها الدول المانحة عن طريق صفقات التموين والأجور الخيالية التي يتقاضاها ما يسمى بالخبراء الدوليين... فذلك يتطلب دراسة متخصصة مستفيضة.

عندنا تجربة السياسات اليسارية التي انتهجها هوغو شافيز في فنزويلا وتبعه فيها عدد من قادة المنطقة، أمثال موراليس في البيرو ولولا في البرازيل وفاسكيز في الأورغواي وكرشنر في الأرجنتين وآتت أكلها جميعا وأصبحت ممجّدة من طرف كثير من منظري السياسة والاقتصاد في العالم واعتبروها أنموذجا يُحتذى في العالم الثالث.

والكل يتذكر خطاب شافيز سنة 2005 أمام الأمم المتحدة حيث قال: "يستطيع الشعب في فنزويلا، بعد سبع سنوات فقط من الثورة البوليفارية، أن يدعي لنفسه اليوم إنجازات اجتماعية واقتصادية مهمة. فقد تعلم القراءة والكتابة مليون وأربعمائة وستة آلاف فنزويلي. وقد أصبح ثلاثة ملايين فنزويلي جزءاً من نظام التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي بعد أن استثنوا منه بسبب الفقر. وبات سبعون بالمئة من السكان يتلقون العناية الصحية الشاملة ومنها الدواء للمرة الأولى في حياتهم. وخلال بضعة سنوات سيتمكن كل فنزويلي من الوصول مجّاناً لرعاية صحية ممتازة. ويتم إيصال أكثر من مليون وسبعمائة ألف طن من الأغذية لأكثر من إثني عشر إنسان بأسعار مدعومة من الدولة أي لنصف الشعب تقريباً وتم خلق أكثر من سبعمائة ألف وظيفة جديدة في اقتصادنا...".

صحيح أن فنزويلا من أكبر مصدري ومنتجي البترول في العالم، إلا أن عوائد البترول الضخمة لم تمنعها قبل مجيء شافيز سنة 1998 من عيش ما يزيد على نصف سكانها في أصعب حالات الفقر المدقع وانعدام أبسط الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وطرق ومياه وكهرباء... وما ذاك إلا بسبب الفساد والنهج الليبرالي المتوحش الذي كانت تنهجه.

وعندنا كذلك تجربة التنمية والتحديث الرائعة في دول شرق آسيا التي سبقت التجربة اللاتينية وكانت تجري على الضد من توجيهات البنك وصندوق النقد الدوليين.

الموريتانيون أيضا، لم تتفق أحكامهم ومعارضاتهم ونخبهم وعامّتهم مثل ما اتفقوا على انتشار الفساد والإهمال داخل الدولة وكثرة موارد البلد مقارنة بعدد السكان، كما لم تتفق شعوب العالم العارفة بموريتانيا مثل اتفاقهم على تخلف هذا البلد وفقر أهاليه، إلا من الصعب أو الخطإ، تصور تنمية اقتصادية أو اجتماعية قادرة على استغلال الثروة واستيعاب الطاقات وتنميتها، دون إحداث شركات ضخمة وذات مصداقية - على غرار شركة سنيم مثلا - تضطلع كل منها بمجال من المجالات التقليدية المهمة، كالزراعة والتنمية والصناعة الحيوانية والصيد البحري والإعمار والبنية التحتية والاستخراجات النفطية... فهل سيظل الإنسان الموريتاني عاجزا عن تنمية نفسه واستغلال موارده إلى الأبد؟

تجديد الطبقة السياسية:

إذا كانت الحكومة قد نجت من المفسدين، فإنه ما عدا أقل من ثلث الوزراء والوزير الأول، لم تنجُ هذه الحكومة من انحطاط مستوى بقية أعضائها عن المستوى المطلوب دوليا وإقليميا من بالدُّربة والأهلية للعمل السياسي والفني والكاريزما والخلْفية والقدرة على خلق تصور لمفهوم الدولة في حاضرها وماضيها ومستقبلها ومجاراة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المأمولة. وقل الشيء نفسه لمعظم قيادات الحزب الحاكم.

أما البرلمان، فإنه كذلك وعلى الرغم من تمتع أقلية أعضائه بمستوى عال وأقلية أخرى دون ذلك، فإن أكثرية الذين نُوِّبوا عن الشعب الموريتاني وأكثرية المداولات التي تدور في الغرفتين، تشكل وصمة عار في جبين الشعب الموريتاني، لما فيها من التفاهات والجهل لأبسط أبجديات ومبادئ القانون الدستوري والمالية العامة والاقتصاد وعلم السياسة والثقافة العامة والحصافة السياسية واللياقة الحضارية والحذاقة الموريتانية... خصوصا أن المداولات تنشر عبر الأقمار الصناعية للأسف الشديد. والمسؤولية واقعة كلها على كواهل الأحزاب التي رشحتهم.

عضوية الحكومة والبرلمان وقيادات الأحزاب المهمة... مناصب سامية وحاسمة في الصناعة السياسية للبلد. وما دامت يتقلدها مَن لا يؤمن بأي قضية ومَن ليس مهيأ للخدمة الوطنية واتخاذ القرارات المهمة ومبادرة ومناقشة وتنفيذ السياسات العمومية، فلا شيء مهمًّا يُرجى. ومن هنا ستبقى الأسئلة حائرة في الكيفية التي سيتمكن خلالها محمد ولد عبد العزيز ونظامه من إنتاج وإعادة إنتاج مصادر بشرية قوية وحضانات سياسية صحية مهيأة لمجاراة مشروعه التغييري الطموح.

يقول الاشتراكي الفرنسي جان جوريس: إن الثورات لا تأتي عادة نتيجة لغياب الإصلاحات، بل نتيجة لإحباط آمال الجماهير في الإصلاحات التي وعد النظام بها".

لم يحصل الانقلاب العسكري الأخير الذي قاده محمد ولد عبد العزيز على ما حصل عليه من التعاطف الشعبي ولم تنتخبه الأكثرية إلا لخطابه السياسي ذي الحمولة النقدية والجرأة الاستثنائية على الهجوم وتسمية الأمور بأسمائها.

وإذا كان محمد ولد عبد العزيز شخصيا قد أبدى طموحات تغييرية كبرى، ابتداء من إطاحته بنظام سياسي شمولي وفاسد ومرورا بإحباط محاولة هذا النظام للرجوع وانتهاء بحرب على الفساد ذات مصداقية، فإن بناء نظام سياسي محترف قادر على فتح قنوات أوسع لاستيعاب الطاقات الوطنية المقيمة والمهاجرة والمؤيدة والمعارضة للوصول بالبلاد إلى أبسط مراتب الدول المعاصرة والمجاورة، يبقى حتى اليوم تحديا حقيقيا للرجل.

وأمام ولد عبد العزيز في هذا الصدد ثلاث سيناريوت:

الأول، أن يركز كل شيء في يده، فلا يكل أي جزء من المبادرة السياسية أو الحكومية أو الإدارية إلى أي شخص أوجهة. وهذا أمر في غاية الصعوبة على البشر، بمن فيهم الأنبياء المرسلون وعظماء التاريخ السياسي.

السيناريو الثاني، أن تؤجَّل المراجعات السياسية الكبرى والإصلاح الأفقي حتى تتجدد الطبقة السياسية من تلقاء نفسها ويقصى المتطفلون عليها وأصحاب المصالح الشخصية والبنيات النفسية الضعيفة والأدمغة الخاوية، فتتقوّى هياكل الوساطة والتأطير السياسي في كل من الطرفين الحاكم والمعارض. وهذا بعيد.

السيناريو الثالث، أن يعمل ولد عبد العزيز على تجديد عمودي سريع، فيقوم بتعيين قيادة سياسية تتألف من ثمانية إلى خمسة عشر رجلا فما فوق من خارج الحكومة والحزب والبرلمان، يتمتعون بالتجربة الكافية والنزاهة والبنية النفسية القوية والرؤية السياسية الواضحة والاستعداد للمضي في مغامرات التغيير انطلاقا من قناعتهم وبناء على رؤيتهم المشتركة مع الحاكم، لتبدأ هذه القيادة عملها المباشر لتثبيت المكونات الضرورية لنظام سياسي جديد وسلطة وطنية محترفة وحضانة سياسية ناضجة، ولتشرف على توسيع المشاركة والتأطير السياسي للحزب والجماهير والإعلام ولتتولى مهمة التقويم الواعي للسياسات العمومية والمشروعات التنموية وتطرح الإشكالات الإستراتيجية والديمغرافية والأمنية التي يواجهها هذا الكيان.

ahmedharoune@gmail.com

عدد القراءات:

علق على المقال