كتب عبد الفتاح ولد اعبيدن /رئيس تحرير يومية "الأقصى"
إن موريتانيا بلد غريب بكل المقاييس ويحتاج إلى دراسات معقدة وغائرة في العمق، عسى أن يفهم جزء من أبعاده المتعددة المتنوعة الغامضة!!!.
ومن أشد ما ساعد في هذا الوضع القائم تعدد المشارب والتوجهات نظرا لتنوع الانتماءات العرقية والعشائرية، فمن قادم من قلب الجزيرة (الشرفاء) بعد ثورات ومذابح مشهورة في ضواحي الكعبة، غير بعيد من مكة (وادي فاطمة).
وفي موضع آخر من الحجاز في مدينة "حاءل" السعودية، حيث صراع دموي آخر ووقائع أخرى، كانت لها ما بعدها من هجرة الشرفاء الضحايا إلى مشارق ومغارب الأرض، إلى الأردن مثلا (النظام الهاشمي مازال بعض أبناء عمومته معروفين بأسمائهم وشحمهم ولحمهم في وادي فاطمه وغيرها من الديار السعودية)، وفي المغرب الأدارسة من أصول شريفة، ويقال أن مجموعات، من بينها الكثيرون في موريتانيا، يعود انتماءاتهم إلى تلك المنابع النبوية وآل بيته الكرام رضوان الله عليهم، بعد هروب بعض الرجال من بطش بعض الملوك المغاربة، إثر خلافات سياسية ومذهبية مع العرش وبطش مفزع بالشرفاء، فكانت نتيجة ذلك، وجود جديد للشرفاء في بلاد شنقيط، سبقه توطن عابر في بعض الدول الافريقية.
ومن هذا المنطلق التاريخي المفعم بالهجرات جاءت بلوى بلادنا، التي ظلت بحكم عسر حيزها الجغرافي الواسع، ملجأ سياسيا تلقائيا للكثيرين من الشرفاء وغيرهم.
ولكل واحد قصته، ومن بين هؤلاء بعض البيظان القادمين من المغرب، يقول بعض المؤرخين عنهم الكثير، ما بين الشرف والصراع المتعدد مع "لقبائل" لغرض محدد، بعد تكليف ملكي سام بهدف إستئصال شوكة تلك المجموعات (لقبائل)، ثم آل الأمر رغم الثقة المؤقتة إلى استصدار قرار بالنفي القسري، مما أدى بهؤلاء الشرفاء إلى الهروب من هذا الواقع السياسي إلى أرض الله الواسعة (بلاد شنقيط) هجرة وإبتغاءا للسلامة!!!...
وضمن تلك المجموعة المعروفة والفاعلة في التاريخ الحديث لموريتانيا، خاصة في جانبه الاقتصادي، جاء عبد العزيز في وقت متأخر، والد محمد ولد عبد العزيز الحاكم العسكري الحالي للوطن الموريتاني المسكين المغبون.
لكن بعد تنقل متواصل من شيشاو في الصحراء الغربية إلى السنغال (دار مستى) مرورا بموريتانيا، عادت الأسرة إلى نواكشوط مع فتى في السادسة عشر من عمره، يسمى محمد، حيث كان الوضع الخاص لتلك الأسرة شديد الصعوبة والعسر.
ثم تنقل من الشارع إلى المؤسسة العسكرية المعهودة لشريحة العرب أو حسان-حسب ما يسمهم البعض نسبة إلى بني حسان القادمين من حضرموت باليمن، ومرت الأيام ووصل الشاب إلى أطار ضمن تدريبات المدرسة العسكرية، ليغادر لاحقا إلى المغرب، حيث تعرف وقتها على تكبر من مجموعة "أسماسيد" ودخل يحيى ولد عبد القهار بحكم الصلة العائلية الاجتماعية مع إحدى أخواتها، وتم الرباط المقدس ( الزواج)، بين محمد وتكبر، وتطورت العلاقات، التي صبت في دهاليز القصر الرئاسي، حارسا لحياض معاوية، رئيس الجمهورية آنذاك. ورغم المصاهرة والثقة المطلقة والمنافع والرتب، وصعوبة الطريق التي شقها الضابط العسكري الشاب إلى تلك المكانة الرفيعة، إلا أنه واصل التوق إلى دفة الحكم، بعد انقلاب مفاجئ في نظر الكثيرين يوم الأربعاء 3 أغسطس2005.
والمثير في هذا التحول، تحول البلد إلى أجواء مفزعة، مليئة بالإضطرابات والمصاعب الاقتصادية، وسهولة التحامل والظلم والمساس من حريات الناس وحتى ممتلكاتهم العينية أحيانا.
وفي هذا السياق حدث الكثير، مما قد لا يتيح هذا المقام لسرده مفصلا.
وكانت محطات بارزة، حين رشح الشيخ الوقور ثم إنقلب عليه، رغم صلة قرابة واضحة، لم تمنع طبيعة الغدر من الفتك مجددا بضحيتها الجديدة، واللعبة في تواصل، وإن بصور متنوعة.
فهل نعي دروس قرية شيشاو "العريقة" في مذهب الصراع مع الكل من أجل البقاء، لأنه ربما طبع ووسيلة عيش في آن واحد، دون مقصد محدد للأذى أو الكسب، لكنه المزاج السوسيولوجي والنفسي الميهمن، ونقص الادراك بخطورة التصرفات المخلة!!!.
فهل هذا التراث المتنوع، الذي يجمع بين الممنوع والمباح، والشرف والجموح والطموح هو الذي يحكم موريتانيا الجديدة، موريتانيا الأعماق، أعماق الجب المهلك المخيف المفزع؟؟؟!!!.
لا أحسب الاجابة على هذا السؤال سهلة، ولست متطوعا للاجابة على هذا السؤال المشروع، لأنه في حق حاكم بذاته أو شخصيته في بعدها العمومي، وقد يتعلق بمصلحة محكومين، هم الموريتانيون بأسرهم!!!.
وأعتقد أن الموريتانيين بحاجة لمزيد من الصدام أوالصراحة، من أجل التفاهم المشرف المتكافئ، أو الفناء الجماعي المحتمل، تفاديا لعيش لا يليق بالشرفاء، فليس أهل شيشاو هم الشرفاء وحدهم، مع إعترافي بشرفهم، لأنني لا أقبل الطعن في الأنساب، خصوصا جانب النبي محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وآله بيته.
إن الوضع الحالي الذي يقوده ولد عبد العزيز، يكاد يحرضنا جميعا على الدعاء على شيشاو المسكينة المظلومة. فهل نستعيض عن هذا الجو المليئ بالظلم والتنافر والتجاذب المثير للفتن والمخاطر المحدقة، بحوار شمولي جاد ينقذ موريتانيا من مخاطرات ومجازفات وحرائق ابن شيشاو المغامر محمد ولد عبد العزيز.
لأن باطن الأرض أصبح خيرا من ظاهرها، والشرفاء قد لا يحتملون ظلم بني عمومتهم من الشرفاء.
لأن الظلم ذوي القربي أشد مضاضة، كما قال الشاعر.
وخصوصا إن كانوا محل مصاهرة، وقيادة مغتصبة لبلد بأكمله.