بقلم عبد الفتاح ولد اعبيدن
لست مضطرا للحديث عن نضال وثبات الزميل الشهم الصابر حنفي ولد دهاه، لأن هذا الجانب أوفاه حقه غيري من الكتاب محليا وعربيا ودوليا، لكن محنة صاحبنا تشير عبر عتمتها المفعمة بالظلم التعسفي التحكمي الطافح إلى آفاق رحبة إيجابية لا يستبعد بعد سنين قليلة، أن تعيشها المهنة الإعلامية محل الإثارة والجدل، سواء كانت هذه الإثارة أو هذا الجدل المتصاعد المعقد، في أجهزة الأمن أو كواليس أجهزة الحكم المختلفة، من تنفيذي إلى تشريعي، وقضائي على وجه الخصوص!!!.
فصبر الزميل حنفي، ومن قبله من أصحاب التضحيات في سياق الكلمة الحرة المقدسة في هذا البلد المهزوز، وغيره من بلدان الوطن العربي والقارة السمراء عموما، سيولد عهدا جديدا من الحرية الحقيقية لصالح الجميع، سواء كانوا ضعفاء أو أقوياء، وبشتى المعاني المعرفية والمادية والسلطوية وغيرها، وأعني هنا ضعفهم أو قوتهم...
أجل سينبلج هذا العهد الجديد، وربما على وجه راجح سيتغير مركز الصحافة، والإعلام المستقل بصورة خاصة، من المرتبة الرابعة إلى المرتبة الأولى، أو بعبارة أخرى، من لقب السلطة الرابعة إلى اللقب المناسب عن جدارة: السلطة الأولى.
وستتغير حتى الظروف المادية، على غرار ما حدث في أمريكا والغرب عموما، وبعض المواقع العربية المعزولة، مثل ما يحدث في الدوحة بقطر، من خلال نموذج شبكة "الجزيرة" وقنواتها المتعددة وخدماتها المتنوعة.
أقول، بعد سنوات قليلة سيحصل هذا عمليا، لأنني لا أستغرب إستمرار السجال الحالي مؤقتا، مدة أكثر، لسبب أو لآخر، في سياق التجاذبات والصراعات التقليدية المعروفة، بيننا والمتضررين من الأضواء الإعلامية، سواء كان هذا التضرر حقيقيا أو مفبركا لأغراض معينة.
لكن مصير اللعبة في النهاية إلى مآل محمود، وسيحمد المدلجون السري.
إذن لا داعي للقلق، ومن إختار طريق الحق لابد أن يدفع ضريبته على وجه من الوجوه، وقد لا يمنع ذلك الثمن المدفوع النجاح والاستقرار والتمكين لاحقا، وثوابا ربانيا يفضله بعض الربانيين على تلك المكاسب المهمة السابقة الذكر، والتي قد تكون جزءا من العناية الإلهية بالمظلومين والمنافحين عن الحق في حياتهم الحالية قبل تحولهم إلى العالم الآخر.
أخي وزميلي حنفي، إصبر إن السجن كريه ثقيل، مهما كان بساطه وطعامه وشرابه وجوه المختلط الإجتماعي المفتوح.
"ولا ينبؤك مثل خبير".
لقد كنت أمزج بين الصلاة وقراءة القرآن والدعاء ومطالعة الصحف، والترويح النسبي عن طريق لعبة مونوبولي مع أحد رفقاء السجن، الطليق حاليا، يسمى "لكهيل" لقبا!!!، ورغم ذلك كنت في بعض الأحيان أو أكثرها، حزينا ومرهقا نفسيا، خصوصا أنني وقتها ضعيف البنية، وأعاني من أمراض مثل أمراض المعدة، على سبيل المثال لا الحصر، بسبب قلة الرياضة، وعدم توفر فرصة المعالجة في السجون الموريتانية، على خلاف السجن الإماراتي، حيث الدواء والغذاء اللائق على الأقل.
بل يقول بعض الشرطة الموريتانيين في الإمارات، إن بعض الآسيويين يحاول إرتكاب جنحة محدودة، تتيح له فرصة الدخول إلى السجن في تلك الديار، للحصول على العمليات النوعية والمعالجة الشاملة، لكل ما تثبت الكشوف وجوده من أمراض وأدواء، حتى لو كانت سابقة لدخوله في السجن.
أقول لك يا حنفي الصابر الشجاع، إن السجن لا يمكن أن يكون سياحة، فتلك لعمري مجرد أماني وشعارات يرددها تفاؤلا بعض أصحاب البلوى الثابتين، مثلنا وغيرنا ممن إختارهم الله إختيارا وإصطفاء لهذا المنحى البليغ، لكن الفرج قريب بإذن الله، وولد عبد العزيز وصار ابراهيما مهما ظلموا، هم وقائدهم إلى ساحة الصراع مع أصحاب الأقلام بوعماتو، سيندمون، وقد يدخلون نفس الميدان، دون أن تبكي عليهم السماء أو من تظله من سائر خلق الله.
أما أنت فقد بلغت قصة ظلمك عنان السماء، دعاءا ومناصرة، وستجد طريقك إلى مكان آمن قريبا إن شاء الله، ومكانة متميزة، لا يستطيع بوعماتو وعزيز أو صار مجرد الحلم بها.
أيها اليسارى الثوري المبدئي، لك أن تزيد على تلك المطالعات الإسلامية والإعلامية المشار إليها سلفا، والتي نشترك فيها، بحكم الدين والإنتماء الرسالي الواحد بما تيسر لكم من منابع الفكر اليساري العريق وغيره، لأن قدمك راسخة في مجالات متنوعة من الفكر واللغة، والله يلهمك الصبر، وإن صعب وغلى، وتطلب مددا ربانيا يخص به من أختار من عباده المحسنين المظلومين، ساعة الكرب والبلاء، فما أشد تلك اللحظة يا الله.
اللهم ثبت أخي حنفي، إنه قد إبتلي بالحبس التحكمي ومرارة الظلم المجاني المكشوف!!!.
أعذرني القول صراحة، أيها الأسد الهصور، إنهم يخافونك، رغم أنك خلف الأقفال والقضبان الحديدية الداكنة الخشنة الوسخة.
وهكذا واقع الأسود، يهتز منها قلب المشاهد أو السامع بخبرها من بعيد، وإن كانت تحت القيود والأغلال.
ولو لم يحسبوا ألف حساب وحساب، لما تكتب بقلمك الجريئ وريشتك الذهبية الملهمة، التي تتغذى من فكرك الثوري والتغييري النابه، مستندة في ذلك أيضا إلى رصيد من التأثر بالثقافة القرآنية والعربية المحظرية الاصيلة، لما حدث كل هذا الغثاء من الظلم والتحامل المتواصل.
إنه عهد الظلام والظلم وتلفيق التفهم دون إنتظار لمسوغات قانونية من أي مستوى، أو باب من تلك المدونات القانونية النظرية الكثيرة، والتي تلوي أعناق فقراتها المتعددة كل يوم وليلة، عند كل نازلة أو حالة أو موضوع، خصوصا إذا كان المعني صحفيا أو معارضا، ولو كان أحيانا غنيا، أو مالكا لبعض أوساخ هذه الدنيا الزائفة الزائلة العابرة، (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).
لقد كان الحاكم الحالي أجدر، بالتراجع عن هذا المسار الفاحش من ظلم الصحفيين، فبعد المهزلة المتواصلة التي عانيت ومازلت أعاني منها، بسبب شكوى بوعماتو وشراكة سيدي ولد الشيخ عبد الله عفا الله عما سلف (لكن عفوي عنه لا يمنع ذكر الوقائع التاريخية كما هي)، وفي نفس اللائحة الطويلة عزيز وبعض القضاة وبعض أجهزة الامن، خصوصا ولد آده.
فلم أكن أتصور بعد تلك التجربة مع الصحافة، السير بسهولة في هذا الإتجاه العاثر الهش، لكن ممتهني الظلم لا يتعظون (إن الله لا يحب الظالمين)، فبالرغم من تلك الحياكة والمؤامرة المعيبة السيئة الإخراج: التكييف إلى القانون الجنائي وإلغاء قانون الصحافة، وإقحام الأنتربول ومحاولة الإغتيال الأحد 27 مايو2007، في السجن المدني يومها (سجن السلفيين حاليا).
وغير ذلك من السجن خمس مرات: مرتين في دبي وواحدة في الوثبة مدة عشرة أيام ( 60 كلم من عاصمة الإمارات أبوظبي)، والتسليم يوم الأحد 30 نوفمبر2008، بعد سنة من الإقامة الجبرية دون جواز سفر، ضمن أول حالة تسليم لصحفي في الوطن العربي وإفريقيا عموما.
أقول بالرغم من كل هذا، فلم يمنع القوم، بعد محاولة إغلاق ملفي بعفو "رئاسي" يوم الأربعاء 8 ابريل 2009، من الوقوع في حلبة الصراع الظالم، مع صاحب قلم أكثر نصاعة وجرأة ومهنية، الفارس العلوي حنفي ولد دهاه، بل لم يترددوا في مواصلة حبسه تعسفيا وتحكميا بعد انتهاء مدة حكمه الجائر، على نهج غابوي صرف.
مسكينة الغابة المظلومة، لعلها أكثر أشجارا وخضرة وأنوارا وأزهارا، وإنصافا من واقعنا "الإنساني" الذي لا يتردد بعض المنتمين إليه في قتل الناس أحياء ينظرون.
لقد كان جرحي في الوثبة غائرا، وصبري لله والعدل صفته وإسمه، والانتقام أسأله منه، لا من غيره. وذلك عندما فرض علي أحد الشرطيين (النباليين جنسية الإماراتي مهنة) نزع جميع ملابسي، لأنه تقليد متبع عند بوابة سجنهم البغيض، بحجة منع دخول المواد الممنوعة، مثل المخدرات وغيرها، كما عرضت للكلاب الوحشية المدربة، بنفس الحجة، بعد دخولي داخل السجن، أو على الأصح، باحة السجن!!!.
أما زميلنا الصابر، فقد أرادوا أن يجوع حتى يموت، دون إستجابة أو تقدير لظرفه الصحي الخاص وحالة مظلمته الفاضحة (الحبس التحكمي).
وجزى الله من طلبه التنازل عن قسط من حريته في الامتناع عن الطعام إحتجاجا، بناء على فهم شرعي، يحسبه أصحابه هو الأسلم والأصوب، مثل شيخنا العلامة محمد فال (أباه) ولد عبد الله وغيره.
لابأس بالتوقف عن هذا الإضراب، ما دامت آمنة حيدرا الصحراوية أصلا "الجنسية جوازا سفريا"، أنبل وأرأف أعداء وخصوصا من خصومك خصوم الحرية يا حنفي.
وعودا على بدء أقول بإختصار، ستكون محنتك بخاصة، فاتحة عهد جديد وإيجابي، ولو بعد سنوات.
نعم سيكون ذلك، إن شاء الله لصالح الصحافة في وطننا العربي وقارتنا السمراء، ولا حصاد من دون بذر وصبر. "ولله الأمر من قبل ومن بعد".