2010/01/20

( مذكرات عائد من الجحيم ) ( 5 )

بقلم محمد فال ولد القاضي

كنت في سنواتي الأولى في تلك المدرسة ( 12 أكتوبر ) أعمل مدرسا للعلوم الطبيعية للمستويات الاعدادية ، ونظرا لفقر البيئة التي نعمل فيها وانعدام وسائل الإيضاح فقد عمدت إلى جمع بعض الحشرات والزواحف والطيور وكنت افرغها من احشائها واغرقها في الكحول والملح من أجل الحفاظ عليها من التعفن لأيام حتى أتمكن من استعمالها في الأقسام كوسائل إيضاح ، وكان من بين تلك الزواحف أفاعي كنت أضعها في قنينات من الزجاج لخوفي من سمها ، وأذكر أن بعض المدرسين الذين كنت أعمل معهم كانوا يتجنبون سريري خوفا منها وكانوا يسمونني " االحناش " ولم تكن هذه التسمية تعني شيئا بالنسبة لي إلى أن جاء ذلك اليوم المشهود الذي وجدت نفسي فيه محشورا في قبو مع تلك الأفعى التي لازلت إلى حد الساعة كلما تذكرت منظرها وهي تتلوى داخل القنينة أصبت بالقشعريرة.

حشرت نفسي في ركن القبو وتلحفت بتلك القطعة من ما كان غطاء خشنا ، ولأني كنت أتألم من كل موضع في جسمي وخاصة المفاصل التي تعرضت للضرب عليها أكثر من أي موضع آخر فقد كان ذلك بمثابة ( رب ضارة نافعة ) إذ لم أستطع أن أصمد على وضعية واحدة فترة يمكن أن يسرقني فيها النوم من شدة الألم ، وبعد ساعات أحسبها سنوات فتح الباب وطل علي ذلك العملاق الذي شبهته في مذكرة سابقة بعِوج بن عِنق ( ونه ولد ابليله ) وكان يحمل في يده إناء يشبه أواني الكلاب عندنا والتي تسمى ( الميلغ ) ثم فتح الباب الثاني ورمى لي ذلك الإناء كما كنا نرميه للكلاب ونحن صغارا ثم نهرب خوفا منها ، ولم يكن ما في الإناء يختلف كثيرا عما كنا نرميه للكلاب في أوانيها فطلبت منه ماء فقال انه عندك ، قلت أن فيه نملا ، فقال بلغة المتهكم : أتحسب أنك في فندق ؟! ثم أغلق علي الباب وهو يقول "يا الحناش " فتذكرت تلك التسمية التي كان بعض الأصدقاء المدرسين يطلقونها علي وعرفت أن هناك علاقة بينها وبين ما تلفظ به ابن عِنق ولم يخب حدسي ففي ما أحسبه اليوم الموالي وبعد أن أنهكني الإعياء لطول ما بقيت جالسا أغالب النعاس والألم ، وبعد ما أصبت بإسهال حاد من تناولي لطعام الكلاب ذاك وامتلأ بيت الخلاء حتى فاض ( اعذروني ) ولكم أن تتخيلوا الصورة ، دخل علي ذلك العِوج، أمرني بالوقوف وغطى عيني وكبل يدي وراء ظهري ثم أمسك برقبتي وقادني خطوات قليلة وأجلسني في نفس اللحظة سمعت صوت سيارة في الخارج فعرفت أن " الزوار قادمون " ، وبالفعل سمعت صوت ( أحمد سلامة ) وهو يقول : " أيوَ يا الحناش أشعَدلت امع احنوشتك " ثم سمعته يطلب من أحدهم أن يناوله شيئا لم أعرف ما هو حتى سألني إن كان سبق لي أن زرت المغرب ورأيت المهرجين وهم يلعبون بالأفاعي فعرفت أن للأمر علاقة بتلك الأفعى التي كانت أنيسي الوحيد طيلة تلك الساعات ، وأجبته بالنفي ، فشرح لي أنه في المغرب أناس يسمون الحناشة يروضون الأفاعي من أجل التسلية ، وإذا تعرض أحدهم للدغ ومات يقال " الحناش كالوه احنوشت " ، وأنت كنت تمسك الأفاعي وسنرى اليوم إن كنت حناشا حقيقيا إن لم تعترف ، ولم يكمل تلك العبارة حتى أحسست بتلك الأفعى تتلوى على عنقي ولن أستطيع وصف الرعب الذي أصابني في تلك اللحظة والذي لازال يصيبني إلى حد الساعة كلما تذكرت ذلك المشهد ، فقد تجمد الدم في عروقي وربما توقفت عن التنفس من شدة الخوف أن يكون من وضعها علي تركها حرة لتلدغني وعندما بدأت أرتجف من الرعب بدئوا يضحكون وهم يرددون بسخرية : " أسكي الحناش ، هَح الحناش " إلى غير ذلك من عبارات السخرية ، وكأنما جاؤوا للتسلية ، واليوم لم يعد هذا المشهد يثير استغرابي بعد أن خرج من بقي من الموريتانيين من " قبره " والتقيت ببعض الأصدقاء وحكوا لي بعض ما تعرضوا له ، فأيقنت أنني كنت من ضمن المعذبين المحظوظين لذا فإنني ابتداء من المذكرة القادمة سأكتب بالتناوب في كل مذكرة عن حكاية من حكايات هؤلاء الأصدقاء فانتظروني مع صديقي سيد أحمد ولد آشليشل وكيف كانت أسنانه نقمة عليه في إحدى ليالي " السمر " لمجموعة من الجلادين من بينهم قادة في جبهة البوليساريو .

عدد القراءات:

علق على المقال