2010/02/04

الهجرة إلى الشمال

(مذكرات عائد من الجحيم) (6)

في سجون البوليساريو بعض النعم تتحول إلى نقمة

بقلم محمد فال ولد القاضي

عـرفته قبل تلك التجربة المرة التي عشناها كموريتانيين في سجون البوليساريو فقد عشت وإياه في غرفة واحدة مع مجموعة من الشباب عرفت فيما بعد أن اغلبهم موريتانيون اماهو فقد عرفت لليوم الأول انه موريتاني من خلال اسمه العائلي : سيد احمد ولد آشليشل .

عرفته كما عرفه الجميع جادا في عمله , صارما في معاملاته , أنيقا في مظهره , يحترم الكل دونما تمييز مؤمنا بما يقوم به , وبعبارة واحدة كان يعرف ما له وما عليه , عرفته رفقة (ونعم الرفقة ) من اسميه عميد الضحايا الذي مات تحت سياط الجلادين في سجن الرشيد الرهيب و الذي نحسبه عند الله شهيدا , انه محمد موسى ولد المختار ولد محمد موسى ويكفيه

. نشأت بيننا صداقة ظلت تزداد قوة مع الأيام إلى أن فرقت بيننا مأساة السجن , فلن أنسى كم تألمت وأحسست بالفراغ عندما أخبرت بأنه " ذهب " وكانت تلك العبارة تعني انه اعتقل , فقد جئت خلال عطلة أسبوعية للقائه في مدرسة 9 يونيو حيث كان يعمل هو وبعض الأصدقاء الآخرين فتلقيت تلك الصدمة التي لم تكن الأولى لأنه كان من آخر الأصدقاء الذين " ذهبوا " وبقيت أنا وحدي انتظر مصيري الذي ماكان محتوما لولا ظلم الجلادين وكأن لسان حالي يردد قول الشاعر: " ذهب الذين تحبهم ......... ذهبوا ......... فإما أن تكون أو لا تكون " , وحقا لم استطع أن أكون فبعد شهور التحقت بقافلة من " ذهبوا ". وبعد أن تشققت عنا ارض " الرشيد " وخرجنا من الأجداث إلى لا شئ لم أجد صديقي ضمن من " بعثوا " فاحتسبته عند الله كغيره من الأصدقاء مثل محمد موسى , محمدن ولد احمد يامر , باب ولد الشيخ , احمد فال ولد ابهاه والقائمة تطول . غير أن القدر كان يخبئ لي إحدى أجمل المفاجآت في زمن عز فيه الجميل , فبعد سنوات من عودتي إلى موريتانيا وبينما كنت أنجز بعض الأعمال في مكاتب الشركة التي كنت اعمل بها إذ دخل علي " المرحوم " بلحمه وشحمه , ولولا معرفتي الجيدة لملامحه لخلته عفريتا من الجن وقد كانت آثار التعذيب بادية على جسمه : اليدين , الرجلين , كي بالنار على العنق وأشياء يستحي اللسان من ذكرها , وحتى أسنانه التي انعم الله عليه بان جعلها قويمة فقد حولها الجلادون إلى نقمة فقاموا بتهشيمها ليس في إحدى جلسات الاستنطاق والتعذيب المعتادة إنما أرادت مجموعة من الساديين أن تتسلى به كما يتسلى الأطفال بتحطيم ألعابهم , ففي إحدى الليالي أخرجه احد الزبانية من " قبره " واقتاده إلى حيث جلسة " سمر" على كاسات شاي وشريط موسيقي للمطرب الموريتاني سدوم ولد ايده وكان من بين السامرين :

1_ البشير مصطفى السيد الكاتب العام المساعد وعضو اللجنة التنفيذية للبوليساريو يومها . 2_ عمر العظمي (الحضرامي) عضو اللجنة التنفيذية سابقا ويومها عضو المكتب السياسي ومدير عام للأمن واحد مهندسي المسرحية السخيفة التي ذهب ضحيتها الموريتانيون وبعض الصحراويين . 3_ الببغاء المحجوب ابراهيم الملقب (ولد افريطيس) عضو المكتب السياسي

. في الطريق اشتم صديقي رائحة النعناع وسمع الموسيقى الموريتانية فأوهم نفسه بأنهم جاؤوا به ليقدموا له الاعتذار ويطلقوا سراحه , غير أن المسألة كانت ابعد ما تكون عن الأماني فقد كان واهما رغم فطنته إذ أجلسه ذلك الزبانية بعنف في مواجهة " السامرين " فخاطبه كبير الساديين عمر العظمي قائلا : اعد لنا قصتك يا بن الكلب !!! ولعل كبيرهم هذا يجهل أو يتجاهل أن أمهات صديقي لم يلدن كلابا بل ولدن رجالا ولم يبكين عليهم يوم استشهدوا وهم يجاهدون ضد النصارى بعد أن أكمل الاسطوانة التي كان على كل منا حفظها تحت الإكراه لينجو بجلده صدرت الأوامر من عمر العظمي إلى ولد افريطيس قائلا : " كسر افيمو " ولم يتأخر هذا الأخير في تطبيق الأمر فانهال على فمه بحجر , ولما لم تتكسر أسنانه في تلك المحاولة خرج وعاد وبيده معول وقد أوفى المعول بالغرض ولم يشف هذا الحاقد غليله من إنسان برئ فرفع المعول ليضربه ثانية , والمفارقة العجيبة أن من حال بينه وبين تنفيذ رغبته هو البشير مصطفى السيد الذي أشار له بان ذلك يكفي ... لعله كان يريد تكسير الباقي في السهرة القادمة

. كنت وأنا استمع لقصة صديقي أتساءل عن الفرق بين السياستين : سياسة كسرالاسنان عند البوليساريو وسياسة كسر العظم المعروفة عند الاسرائليين , وأيهما مستنبطة من الأخرى ؟؟؟ اللهم لا حسد !!!! .

عدد القراءات:

علق على المقال