بقلم، اعل الشيخ أحمد الطلبة
إن المراقب لحرية التعبير في موريتانيا يلاحظ أن الحريات العامة بشكل عام مرت من الصوت والتعبير والممارسة إلي الصمت بسبب سياج معنوي فرض لتكميم الأفواه لينتهي كل من حاول كسر حاجز الصمت هذا إلي غياب السجن أو التعرض إلي التغريم المبالغ فيه.
يخاف الإنسان على صوته كما يخاف على عرضه وكرامته، فالصمت خوف وظلام، ينبغي لكل من أراد البوح والتعبير عن رأيه مجافاة الحقيقة وتزييفها على حساب قداسة مهنة الصحافة والتي صلبها البوح وإعلاء الصوت في وجه الطاغوت والظلم المتجدد.
حرية التعبير ليست فقط مطروحة في مجتمع كموريتانيا اعتاد أهله على الثرثرة و النقاش السطحي، معتبرين أن ذلك حرية للتعبير في ظل جدار الصمت الذي يطوق الصوت في مربعات السلطة أو الذين يمارسونها في صمت من وراء كواليس أريد لها أن تظل منسدلة لتمنع العامة من التفرج على فصول مسرحية سياسية هزلية وهزيلة سيئة الإخراج والإنتاج و شخوصها من الشمع تحاك ضد الصحافة والصحفيين، بل لتشمل كل من أراد البوح والتعبير عن صوته في زمن الصمت والنياشين. لذلك يجب أن لا نفاجأ بأحكام يصدرها أشخاص هلاميين لا يمكن أن يظهروا ببساطة لأن الشمس حارقة و تذيب الشمع.
لن أجافي الحقيقة إذا ما قلت إن الضغوطات المختلفة والمضايقات التي تشهدها الساحة الإعلامية للإطاحة بصاحبة الجلالة، هي مؤامرة خطيرة تنذر بمستقبل مظلم لبلد عاش في الظلام ما يكفي، فليس من المقبول أبدا أن نعود لأي ظلام سواءا كان غياهب السجن أو ظلام التهميش والحرمان.
لطالما حلمنا بالتغيير والبناء وسمعنا الشعارات الرنانة التي يبدوا أنها لا تعدوا كونها ظواهر صوتية تحاكي صوت الحقيقة في بلد يستهلك الغث والسمين من الشعارات دون أدنى تمييز بين الصورة والمثال؛ ضجت مسامعنا من الأصوات التي تهتف وتتغني بكل الألحان لتعيد أغية واحدة يتيمة تمجد وتقدس كل من وصل إلي الكرسي عن طريق الصناديق أو عن طريق المؤامرة والدسيسة، سواء، لا يهم.
فالمهم هو أن يكون هناك شبح أو شماعة تعلق عليها الآمال والإخفاقات: فإلى متى سنظل هكذا لا نسمع إلي صدى الأصوات القديمة؟ ولماذا توارى أصوات حاولت التغيير خلف جدران وغضبان الصمت في سجن رهيب؟ لماذا ندعي حرية التعبير و نحن لا يسمح لنا حتى بالبوح كلما تعلق الأمر بتماثيل الصمت الكثيفة، الكثيرة، و المتغيرة؟
مهنة المتاعب يراد لها، في وطننا، أن تتحول من الصوت إلي الصمت وإلا فالخيار هو السجن، مثلث يختار المرء فيه أي الطرق تصلح لاكتساب صوت جديد. فالكلام والكتابة أو الصوت أصعب من أن يتنازل عنه من له أدنى إحساس بالكرامة والوعي، أما الصمت فهو وأد للحياة واستقالة معلنة عن الرغبة في الوجود، بل إن القبول به أشبه ما يكون بسقوط حر في مكان سحيق من قلب إعصار أو رياح عاتية، أما السجن فهو فضاء ضيق لا يسمح للذات بالصوت ولا بالصمت، بل إن الصوت والصوت يمتزجان فيه ليجد الإنسان نفسه أكثر جرأة وقدرة على الكلام والبوح، بل وأكثر جسارة على تجاوز عوائق وجدران الصمت التي تتجلى في حقيقة أنها زيف وتضليل لا يعدوا كونه إرهاب فكري تمارسه الحكومات الخائفة من جيوش الحقيقة والأقلام المشهورة في وجه الطغاة.
في أغلب الأحيان لا نفهم لماذا في عالمنا العربي تخاف الحكومات من الصحافة، و كأن الكتابة والتفكير أصبحا جريمة في حق كل يحاول النهوض بمسؤولية زرع بذور الوعي و فتح عيون الشعوب لترى حقيقة تختلف عن إرادة الحكومات في تضليل وتجهيل العامية لتظل خارج دائرة الضوء.
الصحافي في مجتمعنا يشبه زيوروس في الأسطورة اليونانية عندما أخذ على عاتقه منح أو "سرقة" بعض النور من الآلهة الظالمة المحتكرة والغاشمة لينير قلوب وسماء الشعوب المحرومة؛ تعرض البطل، في الأسطورة، للعقوبة و التعذيب والسجن، لكن الشعوب باتت قادرة على رؤية الواقع والتفكير فيه ريثما تصل إلي مرحلة أن تقرر من يصلح لها. مهما تعرضت حرية التعبير إلي المضايقات و السجن و تكميم الأفواه، فستظل الشعوب قادرة على التعبير عن إرادتها و طموحاتها و فرض إرادتها بالأقلام والكلمات في وجه السيوف والبنادق والدبابات.
من العبثية العابثة أن تتخيل الحكومات أنها قادرة على فرض الصمت و الهدوء في زمن الصوت و التحرر و الإنعتاق و الأعاصير، لابد أن تسمع الأصوات المغايرة ولو طالت فترة التضليل والتعتيم.
إن أفضل مثال على الحيف والظلم الذي تتعرض له الحريات العامة في موريتانيا يتمثل في حالة الزميل والأخ حنفي ولد الدهاه، والذي هو أيضا دليل على التضحية والعزيمة والإصرار على تقويض وهدم كل جدران الصمت و التغريد بحرية رغم السجن والحبس والظلم.
إن حنفي ليس مجرد صحفي وهب نفسه للتعبير والكتابة والبوح وفرض سماع الحقيقة داخل دهاليز السلطة المتعفنة، بل هو مثال على قيمة الصوت والكلام و دليل على عبثية المحاولات الحكومية لكسر جميع الأقلام و خنق الحناجر الحرة التي ستظل تصدح بالحرية وتطالب بالحقيقة، ولاشيء غير الحقيقة. هناك ألف حنفي مستعدون للسجن والبوح والكتابة سيظلون خدما في بلاط صاحبة الجلالة ويحفظون لها عفتها و يحمون عرضها من كل الطامعين و المتملقين الذين لم يفهموا بعد أن حرية الصحافة أو حرية التعبير هي الشريان النابض في قلب المجتمع و هي السمة والعلامة التي تضع إدعاءات كاذبة ومزيفة كالديمقراطية والعدالة و دولة القانون على حقيقتا دون أقنعة.
خلف ظلال الشك، هناك حقيقة واحدة مفادها أن الصوت لابد أن ينتصر على الصمت و أن السجن لابد أن يصير فضاء للحرية والتعبير. السجن التحكمى أو التحفظي هو دليل على عجز وخوف الحكومة من نفسها وبالتالي الخوف من العزم على تحطيم الأصنام و إزالة الحواجز الزائفة والخروج على القواعد الأخلاقية القانونية التي وضعها قيصر ليحمي ماله، فليعلم قيصر أنه لا مكان له إلي في عقول أقلية مرتزقة بدأت في التفكك والتشتت و الاضمحلال والتقهقر والتراجع أمام مفاهيم جديدة وجيل جديد لا يؤمن بقدسية الحرس القديم. آن الأوان أن نكتب ونعبر بالطريقة التي نريد دون قيود أو شروط لا وجود لها أصلا لا في القانون و لا الأعراف ولا التقاليد، حتى و لو كانت تقاليد وعادات فقد حان الوقت لتجاوزها ووضع قواعد و عادات و أخلاق مختلفة تعبر عن اليومي و المعيش وليس الماضي و التراث.