بقلم محمد الأمين ولد يحيى
في بحثنا المستمر حول موضوع مثير للجدل أو مادة للنشر، لم نجد سوى موضوع بات يشغل ثقافة الراي العام هذه الأيام، وهو نتاج الحقل الإعلامي والتضييق على هامش حرية التعبير على صحفنا المستقلة في موريتانيا التي قد لا تجد من يتحدث عنها سوانا.
ولأنها جزء من عملنا المهني أو الذاتي فإن الحديث عنها قد يعتبر حديثا عن النفس لا أكثر، فقررنا أن نتطرق في عجالة إلى جزء بسيط من مشاكلها مع السلطة. و فضلت أن اترك الأمر للمواطن في حاجته "لمتنفس" من خلال التعبير عن رأيه والبحث عن مساحة بعيدة عن الرقيب، فمن يا ترى يعطيه هذه المساحة الحرة لرأي ورأيك، سوى الصحافة.
البحث عن مساحة للكتابة
تعتبر الصحافة الميثاق الشرفي الذي تتقدم به شعوب العالم سواء على المستوى المعرفي أو على المستوى الأخلاقي، ذلك أنها الوسيلة أو النموذج الوحيد لإنارة الشعوب فكانت بنت عصرها مع ولادة الإنعتاق الذي عرفه العالم بوجود الديمقراطية التعددية الذي استنشقت منه هذه الشعوب نسائم الحرية من زفير الصحافة، ومع تطور هذه الديمقراطية تطورت أيضا الصحافة بوسائل اختلافها مع ولوج عصر العولمة والتدفق الهائل للمعلومات، وخاصة الصحافة المستقلة.
وجريا على مقولة احمد شوقي (أعطوني صحافة وخذوا شعبا) فقد دخلت الصحافة في ميثاق اللوائح والدساتير المنظمة لأي دولة داخل ترتيبها السلطوي على أنها "السلطة الرابعة" على هذه اللوائح القانونية.
إلا أن الصحافة المستقلة قي بلادنا أصبحت تفتقد لكثير من دبلوماسية هذه الحصانة التي يمنحها لها المشرع على تقويمه لها.
فهل تعتبر الصحافة ناقلة للسلطة فقط أم أنها مرآة عاكسة لأي مجتمع منفتح على الرأي الآخر؟.
أم هي مجرد ولـد مشاكس داخل "الجمهورية الديمقراطية" قد تطالها يد الجلاد في أي وقت يشاء.. عندما تحيد برأيها عن منابر المؤسسة الرسمية؟.
التضييق على صحافة الحبر
للأسف أصبحت الصحافة المستقلة في بلادنا مجرد وسيلة انتقائية ومنبرا خاصا للتعتيم –على المجريات- ومجرد واجهة للإعلان والتصفح الذاتي فقط أو المذهبي المنحاز لفئة معينة، حتى فقدت قدسيتها، وغدت وسيلة للكبت بل ومجندا مزدوجا (انكشاري) من اجل خلق فرضية "الرأي الأوحد"، فظلت بذلك بوقا للمؤسسة الرسمية – مثل ما يريدها هو أن تكون كذلك- وكل من يغرد خارج هذه المنظومة يعتبر وقفا على القانون قد يتعرض للإقصاء والتهميش أو الاتهام بالتمرد أو الملاحقة القضائية من أجل خلق مشاكل دائمة له مع السلطة، وبالتالي زجه في السجن على إثر مادة للنشر.، حتى غدت "صحف الحبر" أو الصحافة الورقية فاقدة لهذه الاستقلالية لأنها تعبر فقط عن زاوية السلطان.
وقد جاءت هذه المضايقات بتجريم وملاحقة بعض الصحفيين في القطاع ذلك أنهم عبروا عن رأيهم المخالف لمدير هيئة ما داخل مركزه الإداري باعتباره احد المؤسسات الاعتبارية التي تعتبر وقفا للمساءلة من طرف الشعب من اجل الحفاظ على تكريس العدالة الاجتماعية داخل فئاته لما يتعرض له من نهب للمال العام.
ومن أضراب هؤلاء الصحفيين للحصر المدير العام لجريدتي "الحقائق" و "POINTS CHAUDS" الزميل مولاي الناجم ولد مولاي الزين الذي دخل في مساءلة قضائية هي الاكثر في أروقة المحاكم وذلك في الاعوام على التوالي (2006/2007/2008/2009/) ليأتي العام الجديد 2010 ويشهد هو الآخر محاكمة ما بات يعرف بملف "سوكوجيم" وذلك على اثر تعرض الصحيفة الانفة الذكر لطرح سؤال على شكل علامة استفهام حول سبب قصور هذه المؤسسة في إنشاء منشأة وعن اختفاء بعض الأموال العمومية.
ليس هذا فحسب بل أضف إلى القائمة العديد من الصحفيين الآخرين لا يسعنا الوقت لذكرهم جميعا ونكتفي بقضية حنفي ولد دهاه الذي يوجد حاليا وقت كتابتنا لهذا التقرير في السجن المدني بنواكشوط الذي كان من المفترض ان تنتهي مدة محكوميته في الرابع والعشرين (24) من كانون الأول/ ديسمبر والبالغة ستة أشهر، لكن السلطات امتنعت عن إطلاق سراحه ولا تزال تعتقله حتى الآن.
والأسماء كما اشرنا عديدة لسنا بصدد سردها بقدرما نحاول ان نخلص إلى أن هذه المهنة أصبحت يطالها العديد من الحيف والظلم من طرف بعض أركان السلطة، في محاولة لتقييد الصحفي "النبيل" الذي يعتبر مجندا للمواطن الضعيف ومرآة عاكسة لهموم المظلومين.
الصحفي الملثم
كلما ازداد القمع من طرف الدولة على الصحافة "المكتوبة" المستقلة ظهرت نتائج هذا الضغط سلبية، وولد ذلك الكبت ولادة جيل جيد خارج منظومة أو دائرة الانضباط الأخلاقي في حدود قانون ضابط لوسائل الإعلام في الصحافة المستقلة والمكتوبة بشكل خاص.
وقد ظهر هذا "الجيل الجديد" في بلادنا لأول مرة في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد احمد الطايع، في ما بات يعرف حينها بكتابات "x ولد y" والتي يرى البعض أنها ساعدت بشكل كبير في تقويض النظام آنذاك.
ويكتسح هذا الجيل جميع المواقع الالكترونية داخل الشبكة العنكبوتية التي أصبحت ملاذا للصحافة (الملثمة) تلك الصحافة (السرية) التي يصعب رصدها من بين آلاف وسائل الإعلام المضغوطة.
وقد تجسد ذلك في الانتشار الهائل والمفاجئ لكثير من رواد جيلنا الجديد بسبب تفتحه على المعلوماتية، هذا الجيل "المشاكس"باختلاف آراءه ونقده اللاذع في بعض الأحيان، حيث أصبح الكثير من الإعلاميين يفضل استخدام هذه الوسائل التي غدت مطية لـ"الصحفي السري" أو الملثم سواء تعلق الأمر بأصحاب المدونات أو الفيس بوك بمختلف وسائل سرد وتدفق المعلومات التي غدت "الحوار المفتوح" والمباشر مع ملايين القراء.
----------
كاتب وصحفي موريتاني
البريد الالكتروني: yahyawi@maktoob.com
المصدر : صوت الوطن