بقلم السعد ولدعبد الله ولد بيه
هناك محاولات جادة في المجتمعين الرسمي والموازي لكنها لم ترقي إلى مستوي الخروج العاجل والآمن من أزمة مركبة تكاد تعصف بكيان الدولة والمجتمع"، الكاتب كان أحد أساتذتي الكبار، وهو المفكر التقدمي المعروف ، الطيب التيزيني يتحدث عن ضرورة العمل على خلق "وعي فاجع"، لدى العرب لعله يوقظ فيهم الحراك للخروج من الفوات التاريخي الذي يضيعون فيه.
مهمة هذا المقال هي أن ننسج على منوال أستاذنا ،وأن ننبه على بعد الشقة بين موريتانيا والعصر وأن نشارك في صوغ بعض المقترحات والمبادئ التي تعين على الخروج من الأزمة المركبة التي نعيشها على مستوي المجتمع والدولة وحتى على المستوى الفردي، أملا في التحريض على العمل والخروج من المأزق.
بداية لا يسعنا إلا أن نتساءل ونكشف مدى المغامرة في أن نري الهند وماليزيا وتركيا وإيران وسوريا والمغرب وجنوب إفريقيا وفنزويلا ولبرازيل دولا ثالثية نامية ونطلق ذات الوصف على موريتانيا ، إنها ملاحظة قاسية لكنها حقيقة بادية "لكل من كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد "، فلولا بعض النفايات التي تعتبر قشورا لتقدم العصر والتي ينتجها غيرنا ويقيئها لنا كمستهلكين ونسميها –مجازا - وسائط نقل، وأدوية وأغذية وألبسة وأجهزة ، لكنا وبصدق أكثر تخلفا وخروجا من العصر، من إحدى الأمم التي سبقت التاريخ الميلادي، فعلى الأقل- ما نعتبره اليوم حضارات قديمة ،استطاعت تطوير معارفها الفلسفية والقانونية والسياسية والعمرانية ليس بأفضل من أجدادنا ،بل أفضل منا نحن موريتانيي القرن الواحد والعشرين، إن المسؤولية لا تقع على عاتق أجدادنا كما يحلوا للبعض أن يعلق إخفاقاته على مشجب التاريخ وربما الجغرافيا، بل إن أجدادنا وبالنظر إلى الأوضاع التاريخية التي كانوا يوجدون فيها يعتبرون ناجحين حقا، فقد حافظوا على تراث هائل، من المعرفة الشرعية واللغوية ...
وعلى أساليب من العيش سمحت لهم في تلك العصور أن يكونوا مجاهدين وفاتحين (المرابطين) ،وتجارا ودعاة إلى الله( نشر الإسلام في إفريقيا) ،أنا أعرف - كغيري - أن هناك انكسارا شهده تطور المجتمع الموريتاني من الناحية التاريخية ، بسبب الاستعمار البغيض، وبسبب فشل الدولة الوطنية، التي لم تستطع ربط حلقات التاريخ (وخصوصا بعد عسكرة السياسة في موريتانيا)، وفي الوقت نفسه أفهم أن ذلك التعثر في البناء والتقدم ، ليس تعثرا بنيويا في ذواتنا لأننا مسلمين أو عرب أو أفارقة أو موريتانيين ، لذلك آن لهذا التخلف أن ينجلي ،
-"إن الرائد لا يكذب أهله " - يعرف الموريتانيون الذين يسافرون إلى الخارج للعمل أو للدراسة أو للاستشفاء أو لأغراض أخرى ،أن قصة فشل موريتانيا لم تعد قصتنا لوحدنا، نخبئها في صدورنا المكتظة بالفشل والألم والتحسر، لما نراه في بلدنا ونداريه في برجنا الصحراوي، الذي يواري سوءة تأخرنا، إن العالم أصبح حقا بيتا من زجاج، فما نعيشه من أوضاع مزرية وتخلف على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، أصبح في ظل ثورة الاتصالات وما تعرفه من البث التلفزيوني والإذاعي وال؟إنترنت واقعا مفضوحا ، فبلادنا – للأسف – أصبحت تشكل متحفا يجسد الماضي المتخلف والمتأخر ،في الحاضر العالمي الذي يمثل التقدم والتطور،( وللآخرين – السياح والأجانب – أن يأتوا ونحتفل بهم ليتفرجوا على خيبتنا)، لكن ما هو أكثر إيلاما هو المساكنة مع الحالة، دون أن تثير فينا سببا للحراك والعمل والتفكير جديا للخروج منها ،" إنه التعود والألفة " " إن التعود جند من جنود الله وجند الله لا يغلب ".
تعالوا نتعود فعل الصالحات شعبي الكريم، تعالوا نتعود البحث عن الإصلاحات، تعالوا نتعود التغيير إلى الأفضل، فبدل الانتظار يجب أن نقوم بالمبادرة ،أن يبادر الشباب إلي العلم والتعلم، واكتساب المهارات والخبرات، ويعلم الشباب غيره ويثقف الناس ويعلمهم حقوقهم وواجباتهم، تعالوا نكون مثل الفلسطينيين، حينما فقدوا الدولة نافسوا ليعيشوا بالعلم، فتجدهم متفوقين في العالم ،-إنها المحنة تولد المنحة
- ونحن صدقوني لسنا أحسن حالا من الفلسطينيين، هم على الأقل عدوهم بين وظاهر، ونحن أعداءنا تصعب رؤيتهم كالجن، إن أعداءنا هم الجهل والتخلف وانعدام الوعي، وبعد أن يبادر الشباب لتبادر المرأة ،الأم والأخت والزوجة فتربي الأجيال، على قيم البناء والاستخلاف الحق، وتحث نفسها والرجال على أن يكونوا رجالا،-- هذه ليست دراسة أكادمية هي حديث من القلب إلى القلب -- كم يحزن المرء حين يري الشاب الموريتاني المعافى جسديا وعقليا، وهو يتسكع بين العوائل والأسر، وفي الطرقات وهو يسأل ذا ويسأل ذا، وبعد ذلك يدعي لنفسه كرامة أو مسكة من كبرياء، إنها إهابة بالرجال وبالنساء في موريتانيا، ليتعلموا حقوقهم وواجباتهم ، ويعملوا على ذلك إن الحديث عن مفاهيم التمكين للمرأة في موريتانيا أصبح حديثا خرافيا، ويجب بدله أن نتحدث عن تمكين الجنسين ،حقا إن الرجال في موريتانيا شقائق النساء في البؤس والبطالة والاضطهاد .
إن المجتمع بدء يفقد السيطرة على نفسه ،بدء مرحلة المكر بذاته في ظل توقف شبه تام للتفكير، وانعدام رؤية أو مشروع متكامل، يفهم من أين جئنا وأين نحن الآن وأين نذهب ،هل هي أزمة أفكار "أزمة فكر" ، أم أزمة رجال " أزمة مورد بشري " ، للأسف يتبادر إلي الذهن فرضية الإحتمالين !!! هناك أزمة أفكار، وأزمة عمل في نفس الوقت،وأزمة كفاءة، - بلا شك - ولا يعني ذلك أننا نريد من المفكرين والساسة في موريتانيا، أن ينشئوا من جديد وعلى غير سابق مثال أساليب وأفكار جديدة، -فعلى أهمية ذلك أي الإبداع والاختراع، والذي في المحصلة لا تتقدم الشعوب والدول إلا به،- إنما في هذه المرحلة ،نريد على الأقل الإحاطة بما هو موجود من العلوم ومن التجارب، المسموح لكل الدول أن تستفيد منها إن العملية التعليمية والتربوية والتي تمثل مخرجاتها من الخريجين والكفاءات مستقبل البلد تعاني من : ضعف التخصصات ، وغياب المراقبة والمتابعة ،وعدم الدمج للكفاءات في الحياة العملية ، وكلها محرضات على تفشي روح السلبية والحياد وعدم المشاركة البناءة في معركة البناء الوطني ،هذا إذا لم نتحدث عن العداء والخصومة بين كل ما هو ثقافي وسياسي، وبين الشباب والدولة ،فضلا عن حالة الطلاق البين بين القرار والعلم .
وتتضاعف الأزمة حين تغيب كل أنواع مأسسة الفكر والعلم وبالتالي قصور الأفكار المعرفية عن التأثير في حياة الناس وكذا حياة الدولة وأجهزتها بما يرفد السوق وينمي الاقتصاد ويحقق التنمية ويرشد القرار ويولد الاستقرار ، فلا توجد مراكز للتدريب العالي ،ولا بيوتات خبرة ولا حتى مراكز للدراسة الإستراتيجية والعلمية ، ولا مراكز بحثية مما لا تستغني عنه مجتمعات القرن الواحد والعشرين للبحث (في الغذاء والصحة والماء والطاقة والزراعة والتربة....)، فضلا عن الفشل الواضح في الإبتعاث، دبلوماسيا (دبلوماسيين)أو للتدريب (عمال) أو للدراسة (طلاب) فأغلبهم "لا يأتي بخير " ،فضلا عن أساليب المحسوبية والانحرافات التي تشوب هذه العمليات بحذافيرها وهو ما يجعل مستقبل دولتنا على المحك حقا .
فضلا عن الأزمة الدينية والروحية التي يعيشها الفرد والمجتمع والتي من تجلياتها انحسار التدين ،وإنهيار الأخلاق بالمعني العام ،والجهل المتزايد بالدين ، وهي لعمري مفارقة عجيبة تستحق الدراسة ومحاولة الفهم في بلد ظل رأسماله دينه وعلمه وعلماءه ،ولا تقف تجليات الأزمة الدينية عند الفكر والسلوك بل طالت البني الرمزية والمادية .
فالبني المرفقية للعبادة (المساجد) وعدم ملاءمتها لا من حيث الشكل (غياب النظافة وغياب المظهر اللائق) ولا من حيث المضمون لخلوها من البرامج الدينية والدرس الفقهي والعلمي لتفقيه الناس وتعليمهم وتزكيتهم ودعوتهم للحياة ، وهو ما يصلح – جزئيا – كأحد أسباب التفسير لما أصبحنا نشاهده من مظاهر الانحراف والتطرف في مجتمعنا ، حتى حياتنا الروحية التي كانت تزخر بها البلاد من تصوف وتزهد وتأمل قوامها التزكية والإحسان بعيدا عن طغيان المادية ، تكاد تندثر وصرنا نختزلها في الأحجيات والتعاويذ (في بلاد كانت تمثل جنانا ثرة بالأولياء والصلحاء والصوفية ).
حتى المكاسب المادية اليسيرة مثلت سببا للشقاق والتلاسن بين من يفترض فيهم أنهم قادة للعمل الديني ،وصار للولاء ثمنا.
ومن التجليات الخطرة للانكماش الديني تراجع معدلات الإنفاق الخيري وتراجع الأوقاف أو انعدامها ،وأصبح الثري أو رجل الأعمال الذي يبني المساجد او المدارس أو المستشفيات عملة نادرة حقا.
ولكل ما تقدم من الوصف تبدو أزمتنا أزمة مركبة يتداخل فيها ما هو علمي وثقافي بما هو اقتصادي وسياسي ،وما هو ديني بما هو حضاري .
وبالتالي فمن التخلف أن يدعي شخص واحد أنه يمتلك الحل الأمثل أو المقترحات الناجعة لهكذا أزمة .
فالنقد أسهل من الإبداع ، ولكن وبالرغم من ذلك سنغامر باقتراح مهمات عامة نراها عاجلة ومستعجلة أمام موريتانيا – يجب على كل موريتاني التفكير حولها – إذا كنا نريد لدولتنا أن تقوم من سقطتها الحضارية ، وتصحح مسارها وتحقق تقدمها المنشود ،في ظل عالم سيماه التحول والتغير الخاطف وهذه المهمات هي/:
1\ العمل على إعادة تعريف مفهوم النخبة في موريتانيا والتفكير في خصائصها بشكل وظيفي.
2\ العمل على إصلاح مؤسسات التنشئة الإجتماعية والسياسية
3\ إعادة بناء قيم إيجابية وخصوصا القيم التي تعطي للإنسان (الفرد) قيمته ومكانته ودوره، وتخلق المسؤولية ، وتحقق التقدم ،وتنمي التضامن
4\ الشروع في التحديث السياسي والإقتصادي جنبا إلى جنب :فلا بد من الإصلاح السياسي الذي يشجع الديمقراطية كإطار للحكم ، ويفشي قيمها وضماناتها من الحوار والإحترام الواجب للإختلاف والتعدد وتوسيع هامش الحرية والمسؤولية والتحريض على المشاركة في الشأن العام، وإتاحة الفرص وتكافئ الولوج إليها.
وإلى جانب ذلك العمل الجاد والحقيقي للإصلاح الإقتصادي من خلال تنمية مواردنا والمحافظة عليها ،وإيلاء أهمية خاصة ومتزايدة للمورد البشري وللموارد المادية المتجددة ،وتشجيع المبادرة والإبداع ،وزيادة فاعلية الرقابة على الأنشطة الإدارية والإقتصادية والمالية ، وبشكل أكثر تخصيصا يجب الشروع في تحقيق أمننا الغذائي واكتفائنا الذاتي في الحدود الضرورية من خلال تنمية القطاعات الزراعية والصناعية وترشيد الثروات البحرية ، وإقامة البنية التحتية ،وإكتشاف فرص الإستثمار، وإصلاح القضاء ،والإرتقاء بالتعليم المهني .
فكلها أسباب هامة لتحقيق التنمية وجلب الإستثمار وتشجيعه.
5\ الأخذ بأسباب العلم – وهو جماع أمر التقدم كله – من خلال إعادة التفكير في مدرستنا التقليدية والحديثة ،وإعادة التفكير في مناهجنا ، وضرب الحسابات الدقيقة لمخرجات عمليتنا التربوية والتعليمية ،إذ لابد من زيادة وتيرة نشر التعليم الجيد ،وتشجيع البحث العلمي ،وترسيخ ثقافة العلم والمعرفة والمعلومات...
6\ التفكير الجاد للعمل على ترسيخ قيم الدين في الأخلاق والتزكية الروحية ،فهي سياج ولحمة المجتمع تحميه من الانحراف و الانفجار ،وهي قيم تضفي معنى ومغزى على وجودنا وعلى تقدمنا السياسي والعلمي المنشود ، فتكون قدرتنا العلمية ورقينا السياسي للعدل لا للجور وللتسامح لا للتعصب (فكل موريتاني رضيع – فيما سبق- كان يدرك أهمية القيمة الأخلاقية ومركزيتها في الإسلام ووظيفتها البنائية )
7\ كيف نرسم لدولتنا سلوكا خارجيا رشيدا ومتعاظما ، ويعبر عن رمزيتها التاريخية والثقافية ،وجغرافيتها المميزة ؟! لعل ذلك يتحقق بالتفكير من خلال إعادة تعريفنا و مراجعتنا "للرؤية" و "الدور" و "البنية" و "الأشخاص" فباختصار شديد ،لسياستنا الخارجية من أجل الوصول إلى أهداف وغايات كبري مفيدة ومتناغمة أن تتذرع با"رؤية" تقوم على خطاب يمكننا من العيش في ظل العصر ومن بناء علاقات التعاون والسلام مع القرية الكونية 0 وبا"دور" يجلب المنافع ويدرء المخاطر0 و با" بنية" عصرية وغير تقليدية تعرف كيف تؤسس ماديا وعلميا لهذه الرؤية ولهذا الدور وبا "أشخاص" منظرين ومنفذين يبهرون الآخر بعلمهم وبحكمتهم وبصبرهم وبتواضعهم وبصيرتهم النافذة وبوطنيتهم وليس بشيئ مما يروج اليوم 0 إن التصدي لهذه المهام وإقامة سياساتها – سواء من قبل الأفراد أو المجتمع أو الدولة كل فيما يعنيه – يتطلب التخلص من الإجراءات والسياسات التقليدية المعيقة للحراك والتقدم ،و التحلي بروح أكثر غيرية وأكثر براغماتية ،وتجديدا ومغامرة وحلما.
وفي المحصلة ولكل ما تقدم فإن فهما رشيدا وسديدا لإسلامنا، ولتجربتنا التاريخية وتجارب الأمم الماضية والمعاصرة، يحيلنا إلي أن العدل كقيمة سياسية /، والعلم كقيمة حضارية/ ، والتزكية كقيمة أخلاقية/ ،والتعارف كقيمة إنسانية/، تصلح كأساس راسخ لبناء الفرد والمجتمع والدولة، بل والأمة التي نحلم بها، إن ما سبق المسؤولية فيه مشتركة وليس الخروج منه على زيد دون عمر، بل هو مسؤولية السياسيين و مسؤولية المثقفين والعلماء وكافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية من أسر ومساجد وتعليم و أحزاب وجمعيات وقبل هذا وبعده الدولة
Saadbayeh_2006@hotmail.com "