بقلم السعد بن عبد الله بن بيه
كنت قد كتبت ، بعيد الاعتداء على قافلة الحرية، مقالات – جهد المقل – حول قضيتنا الفلسطينية ،وملامح إستراتيجية المواجهة مع الكيان، الحادثة، ومن بين تلك الكتابات مقال عنوانه "لا تنقذوا الكيان " فرضيته الأساسية هي ضرورة رفض دعوات سحب المبادرة العربية للسلام . وإن كان بدا ساعتها خارجا عن سياق الفورة العاطفية المشروعة ،فاليوم ورغم عدم تشبثي بالسباحة عكس التيار إلا أنني عزمت على الكتابة داعيا للسماح بزيارة القدس – إذ الدعوة لتحريم الزيارة تفتقر في نظري للحس السياسي - ورغم الصدمة الأولى عند البعض فيجب التحلي بالصبر حتى ندلل على أهمية هذه الدعوة ،والتي مردها أمور من بينها:
أولا :أن في حياتنا كعرب "تابوهات" غير مفهومة وغير مفكر فيها؛ ومن بينها القطيعة الغير مبررة مع أرض وشعب فلسطين .
ثانيا : أن المسألة مسألة خلافية من الناحية الشرعية.
ثالثا: اعتقادي بأنها قضية سياسية بالدرجة الأولى ، نحتاج قبل تنزيل النص –إن وجد – وإصدار الحكم إلى فهم طبيعة الواقع السياسي لهذه القضية ،وهو واقع غير أنيق تختلط فيه وتتداخل كثير من العوامل والمصالح ،من الصعب تغييبها لصالح بعد واحد – الاعتراف بالاحتلال – ومن ثم إصدار حكم على هذا الأساس.
وقبل الولوج إلى بناء التصور المطلوب عن هذا الموضوع ألا يجدر بنا أن نتساءل ونفكر في مآلات حرمان قوة بشرية تعدادها يربو على المليار – المسلمون – من زيارة مقدساتهم ؟ وخصوصا في ظل سياسة صهيونية ممنهجة لتفريغ القدس من سكانها الأصليين وحظر الصلاة عليهم في الأقصى ؟ألا تتماهى نتائج هذا الموقف – التحريم – مع تلك الفتاوى غير الموضوعية المحرمة للإقامة تحت الاحتلال والداعية إلى تفريغ الأوطان من سكانها ؟ لاشك أن هناك حاجة ماسة لفتح مساحات للحوار والنقاش الفقهي والسياسي حول هذه القضية ،لكي لا نأتي بعد عقود لمراجعتها ولنعدد الفرص التي فوتتها. نحن – العرب والمسلمين – اليوم بحاجة حقيقية للعمل على تنشئة جيل من القادة أصحاب مبادئ ولكن ذوى توجهات براغماتية ، فدفة القيادة الأهلية والرسمية اليوم موزعة إما بين جماعات ذات مبادئ ومثل يستعصى عليها بحكم الواقع ونقص الفهم إنفاذ مبادئها ومثلها،وإما بين قادة رسميين تحللوا من كل المبادئ وعاجزون عن إدارة مصالح بلدانهم بشكل أكثر نجاحا ؛ وهو ما فتح الباب أمام التنازلات اللاعقلانية واللامقبولة أصلا بل لا داعي لها . هنا تجدر ملاحظة بل دراسة ومراجعة تجربتين غير تقليديتين هما :لماذا تحافظ تركيا أردوغان على علاقتها المتميزة مع الكيان؟ ولماذا طار السادات – رحمه الله – إلى القدس؟ إن دراسة سياسية متمعنة ستصل إلى فهم جديد وهام – غير شعبوي بالضرورة – يفسر لنا ويضئ زوايا جديدة في مقاربة الصراع ، وخصوصا إذا عرفنا النتائج المترتبة على هذه السياسيات ، وهو أمر حقيق بالمختصين مراجعته ودراسته من جديد لأن ما هو سائد من الفكر والدراسات لم يستطع أن يبرح مربعات (الأدلجة والأمنيات والعواطف )، وما هو سائد من المواقف لم يغادر مربعات (التخوين والاتهام ) متناسيا أنه للوصول إلى الحقوق لدينا في السياسة الحوار والدبلوماسية والمقاومة والحرب ... وهي أدوات متضامنة لتحقيق الأهداف تستعملها الدول مجتمعة أو متفرقة حسب إملاءات الظرف وجدوائية الوسيلة. ورغم علمنا المسبق بحساسية هذه المواضيع خصوصا عند المتلقين العاديين أو لدى الأيديولوجيين ، إلا أننا نساهم بهذا الرأي حول جدل لا يتوقف حول مدى شرعية زيارة القدس تحت الاحتلال ، ونعترف بأنه جدل فقهي وشرعي لكنه – كما تمت الإشارة – وبامتياز جدل سياسي وحقوقي وإستراتيجي. فإذن سنروم تسليط الضوء على الثمار الجنية الخفية لكسر التابو المسمى "تحريم الزيارة تحت الاحتلال". فحين يسمح لملايين المسلمين من المشارق والمغارب زيارة الأقصى وفلسطين فالنتائج ستكون باهرة؛ إذ إن من أولويات الاحتلال تقطيع الأوصال ومنع الحراك البشرى والاجتماعي بين المسلمين والفلسطينيين؛ وهو ما سيسقط ، ثم إن هذه الزيارات وخصوصا بوفود وأعداد كبيرة لا تعني الاعتراف بالكيان ما دامت تعبر عن حراك فردي وجماعي مدني غير رسمي ،لأن الاعتراف هو بالدرجة الأولى من صلاحيات الأنظمة ومن أعمال السيادة وليس من شأن الأفراد ؛ هذا إذا لم نذهب أبعد من ذلك لنتساءل عن القيمة الكامنة وراء ترديد عدم الاعتراف بالكيان ؛ إذ كثيرا ما تمنيت أن يجيب القائد مشعل على هذه الشبهة بعبارة " إسرائيل موجودة " وهو تعبير على بساطته ودبلوماسيته سيكون له أثر بعيد في خدمة القضية في الأوساط الإعلامية والدبلوماسية في الغرب والعالم وسيحزن الكيان . إن الإيديولوجية الصهيونية كما يعرف المهتمون بدراسة أسسها الفكرية والدينية التي يقوم عليها مشروعها الاستعماري تقوم على مبادئ يهودية الدولة والملكية المطلقة للأرض الموعودة بزعمهم وتأبيد القدس عاصمة للكيان ونكران الحقوق الدينية والثقافية والتاريخية للأغيار . من هنا يكون فتح الباب أمام من يرغب من المسلمين والعرب لزيارة القدس هو ضرب صميم فكرة التجانس الديني المزعوم، وكذلك فكرة يهودية الدولة، ونسف كل الترهات والتصورات العنصرية والإقصائية للآخر – بسبب تزوير التاريخ – سواء كان مسلما أو مسيحيا ؛ فضلا عن كون فتح الباب للزيارة هو فرصة للتلاقي مع الإخوة الفلسطينيين وتكثير سوادهم ودعم قضيتهم على أرض الواقع بكل ما هو متاح . وهذا الأمر فوق هذا وذاك هو تقويض لأركان المشروع الصهيوني وفى العمق . المهم هو تحديد النية والفكرة وراء هذا الحراك بشكل واضح وليس بشكل ارتجالي أو فوضوي ؛ إذ لم يعد من المقبول ترك الفلسطينيين لوحدهم يواجهون مهمة الحفاظ على مقدسات تعود للأمة كلها والتي شرفها وكلفها الإسلام بالحفاظ عليها . إن مثل هذا الحراك يمثل معركة سياسية مدنية لها مخاطرها الجادة على الفكر الصهيوني ولها ثمارها الحقيقية على الإنسان والمقدسات في فلسطين ، وهي معركة قانونية إذ كل المواثيق الدولية سواء شرعة حقوق الإنسان أو مواثيق القانون الدولي الإنساني تقف إلى جانب المسلمين، ونتيجة هذه المواجهة السياسية والقانونية هي هزيمة مركبة تاريخيا ودينيا وقانونيا وإنسانيا للصهاينة .
لهذا من الأهمية ضرورة مراجعة فكرنا الإستراتيجي والقيم الناظمة له ،والعمل المستمر على خلق البدائل وإيجاد وتكريس إستراتيجية جديدة هامة ومغايرة هدفها تنويع أدوات الصراع ،وإشراك أكبر عدد ممكن من المتعاطفين من جميع أنحاء العالم ، والهدف هو إرباك الكيان الصهيوني الذي يبدو وهنا، رغم القوة التقنية والعلمية والعسكرية التي يمتلكها "ومالنصر إلا من عند الله". والأنساق العملية لهذه الإستراتيجية تتلخص في عدة وسائل تتذرع بها وهي :
أولا: الاستمرار في إحراج الكيان أمام العالم بدعوته الدائمة للتفاوض والسلام ، أي تبني نمط هجومي من الدبلوماسية الشمولية تجاه العدو.
ثانيا: مواصلة الحملة المدنية لكسر الحصار عن غزة وإيصال المساعدات الإنسانية .
ثالثا : فتح الباب أمام الراغبين لزيارة القدس والقيام بالأعمال الخيرية وشراء الأراضي والاستثمار لدى الفلسطينيين .
رابعا: الاستمرار في خوض المعارك القانونية من خلال رفع الدعاوى على الكيان وقادته.
وهي وسائل يقوم بها الفلسطينيون والكل العربي والإسلامي وجموع المتعاطفين ، غير أن هناك تدابير ووسائل أخرى ضرورية تخص الجانب الفلسطيني ويلخصها :
أولا : التعجيل بالمصالحة
ثانيا:استمرار المقاومة في الإعداد والتدريب والجاهزية؛ أي مواصلة وضع اليد على الزناد جنبا إلى جنب مع المجهود الشعبي والسياسي.
وفي الأخير نظن أن إستراتيجية ملامحها متكاملة إذا تبناها العرب وتحلوا بكثير من التجديد والإبداع والعمل المنظم والمنسق وبخطاب مناسب يوظف قيم التصدي والسلام والتعايش كفيلة بهرب الكيان وليس هزيمته فحسب.
Saadbayeh_2006@hotmail.com
| زيارة القدس |
|
سديات ولد أحمدو 18-07-2010 06:53 أنت من طينة معروفة تتمسك بالمبادرة العربية وتكتب لتشرع لمضيفيها عسى أن تتيسر الأمور بعد التخرج. فهنيئا لك بمثل هذه الفرضيات واللغة السامقة والأسلوب الأدبي السياسي الثقافي الأمشاج. |
| سداتي.مكتوب.كوم |