بقلم محمد ولد الكبير ـــ مدريد ( إسبتنيا)
منذ بداية الجفاف الذي ضرب الوطن أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي بدأت ساكنة هذا الوطن تقذف بشبابها من سكان أعماق الصحراء إلى ضواحي المدن التي فرض عليها أن تنهض للتو من لا شيئ وتستقبل مكرهة الفارين من جحيم الصحراء. هذا الشباب لم يتردد لحظة و ركب المخاطر كلها في البحر و الجو و البر و توجه وجهات متعددة إلى إفريقيا الغربية وبعض دول المغرب العربي و الشرق الأوسط و أروبا.
كنت إلى حد الساعة اعتقد أن الهجرة حل أخير خاص بالجنس البشري، عندما لا يبقى من العلاج إلا الكيُّ، للخروج من وطنه و الهروب من جحيم المعاناة فيه تلبية لغريزة البقاء مخاطرا بأغلى ما لديه في سبيل حياة لم يبقى من وسيلة للإبقاء عليها إلا المغامرة بها ووضعها على كف عفريت.
ما لم يخطر لي ببال هو أن كلما يمت للحياة بصلة، من بعيد أو قريب في بلاد السيبة، قد بدأ رحلة الهروب من الجحيم، الذي تركه التصحر يتأجج خلفه، أو على الأصح تركه الإنسان بفعل يده، و ما زال يسعِّره بدون وعي وبتواطئ مقصود ،في هذه الحالة، من الدولة. هذا ما إنتهت إليه دراسة علمية لفريق بحث دولي نشرت بعض وسائل الإعلام الإسبانية ملخصا عنها على الرابط التالي:
www.europapress.es/aragon/noticia-investigadores-equipo-ecosensor-encuentran-microorganismos-pirineos-procedentes-mauritania-20100714142533.html
ملخص الدراسة مفاده أن ملايين الكائنات الدقيقة تصل يوميا إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا و البرتغال) و إلى جزر الكاناري عالقة بالغبار القادم من الصحراء الكبرى بعض هذه الكائنات استطاع فريق البحث تحديد منطلقه الذي هو موريتانيا. التقنية المستخدمة تتمثل في سحب كمية من الهواء المحمل بهذا الغبار و تصفيتها و استخلاص الحمض النووي لهذه الكائنات الدقيقة و عن طريق تحليل جيني يتم التعرف على الكائن الذي ينتمي إليه الحمض. الفريق وجد أن بعض الكائنات العالقة بهذا الغبار، والتي سحبت من هواء سلسلة جبال "بيرينيوس" في الشمال الشرقي من إسبانيا و سلسلة جبال صحرى النيفادا في الاندلس (ما بين جيان، غرناطه، مرسية و آلميرية وليس صحرى النيفادا في الولايات المتحدة كما ذكرت صحيفة الأخبار عند تعرضها للنبإ )، قد قدمت من موريتانيا.
ليس هذا فحسب بل إن هذه الكائنات زيادة على ذلك هي مفيدة جدا للتربة التي تحط فيها حيث تشكل لها سمادا كما تخصب البحيرات و تزيد من تعددها الحيوي وتشكل غذاء خصبا للعوالق البحرية في المحيط الأطلسي و البحر الأبيض المتوسط. وإن كان فريق البحث لا ينكر أن تأثيرات هذه الكائنات قد تكون لها بعض الجوانب السلبية على الوسط.
الفريق العلمي يعتقد ان هذا الغبار المهاجر على ارتفاع يصل إلى ما بين 2.000 و 4.000 متر والذي يقدر الفريق كميته بمابين 60 إلى 200 مليون طن في السنة سببه الاساسي هو الجفاف و التصحر اللذان يضربان منطقة الساحل و الصحرى منذ أزيد من 30 سنة.
قرأت الخبر وجالت في الذهن بعض الأسئلة الشاردة هي أقرب إلى الخيال منها إلى المعقول:
ـ لقد تأكد الآن أن ساكنة هذا البقعة من جنس البشر اتخذت قرارا كل حسب مستطاعه بامتطاء أول فرصة تسنح للهروب من بحبوحة من الارض سائرة إلى الخراب بأقصى سرعة. ولكن السؤال المحير مع قراءة بعض نتائج هذه الدراسة هو هل أننا معاشر البشر عندما نركب المخاطر في البحر و الجو للهروب من وطن نحن من دمره وشعور التهكم و الاستهزاء عند البعض باد علينا أو الشعور بالذنب، إن وجد، عند البعض الآخر بسبب من تركناهم خلفنا من سائر الكائنات الحية في حطام السفينة الغارقة كل ذلك إنما هو نوع من تهكم الغبي الأحمق أو تأسف وشعور بالذنب لمن تيقن أنه ترك لمصير محتوم من استبقوا بحدسهم ما يحاك ضدهم ونجو بانفسهم قبل مغادرة الجاني لمسرح الجريمة.
يبدو من الدراسة أن أضعف هذه المخلوقات، مما نظن أن فعل جنسنا البشري في الوسط البيئى تركها بين ما تمت أبادته و ما ينتظر المصير المحتوم، قد سبقت طلائع الفارين من بني جلدتنا و أن من يظنون أنهم أول الهاربين هم أخر من غادر المستنقع. يقال أن "كونفوثيو" ولد لأبيه ذو الثلاثين سنة ولكن الولد جاء إلى الدنيا و عمره ثمانون سنة أيهما أكبر الأب أم الإبن؟
ـ هل ما نشاهده منذ زمن من نزوح جماعي من الأرياف إلى العاصمة و من العاصمة إلى أي وجهة خارجية سمحت بها الظروف و الحظوظ هو أكثر من رحلة للبحث عن وضعية أفضل و ادخار نقود للعودة بها للوطن و أن الأمر يتعلق باستجابة لوازع داخلي يدفعه استعداد فطري أستشعر الخطر القادم ويدفع لاشعوريا للإفلات منه؟
ـ هل اتفق جنسنا البشري في هذه البقعة من الأرض أو بعضه على الأقل ممن سمحت لهم حتى هذه اللحظة الظروف أو مستوى التهور لديهم مع هذه الكائنات الدقيقة وركب الجميع الموج و الهواء للإفلات من الخطر المحدق؟ إنه لمحير فعلا ذلك الإلتقاء و الإتفاق المحكم أو الإلتقاء بالصدفة وإرادة القدر لا أدري أيها في إخلاء بلاد السيبة بأي ثمن و استغلال أي وسيلة نقل اتيحت لذلك.
مشاكل كثيرة نعاني منها اليوم عجز الجميع عن إيجاد تفسير لها يبدوا أن تشفيرها يكمن في النزوع الداخلي الذي يدفع لاشعوريا نحو إخلاء المكان في أسرع وقت ممكن و مغادرة المركب المتجه حتما إلى الغرق. من بين هذه المشاكل الإستعداد الكامل لتلقف كل ما يتعلق بالآخر أي آخر طبعا مع قدر من التفاضلية في هذا الآخر: لغته، ثقافته، منتوجه، قيمه، تاريخه، حضاربه، قيمه... و الخجل و احيانا احتقار كل ما له علاقة بالذات: القيم، الهوية، اللغة، التاريخ، الثقافة، المنتوجات،...إلخ لأن الأمر يتعلق بالبحث عن ملجئ بديل و الإستعداد للتكيف معه و الأحسن في مثل هذه الحال هو نزع الجلد و التنكر للذات استدادا للهوية الجديدة. أما مشاكل أخرى من قبيل غياب الوطنية، الفساد، التآمر على الوطن، نهب الثروات الوطنية فهي تدخل في باب إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل مغادرة المركب الغارق. وهنا أستسمح لأني سبق و أن ذكرت أن اكثر ما أثرثر به هنا تخيلات انتابتني و لم استطع دفعها ولكن و مع ذلك فيمبغي أن لا ننسي أن رحيل هذا الكم الهائل من الكائنات الدقيقة سنويا من بلاد السيبة بسبب الجفاف كان الحديث عنه إلى حد الساعة نوعا من الخيال الجامح ايضا.
ليس الغرض من هذه المحاولة استعراض خلاصة الدراسة على طرافتها و إنما الغرض هو انتهاز هذه الفرصة للفت الإنتباه مرة أخرى إلى بلوى بلاد السيبة التي لم تستطع منذ نصف قرن من الزمن الخروج من قدر هذه التسمية و لا أغنها تفلت منه، وفق ماهو متاح من معطياة، في المستقبل القريب.
محددان لا أكثر حسب تقدري يشكل العمل على تداركهما انقاذ 80 إلى 90% من مشكل التصحر و زحف الرمال وإعادة التوازن للوسط البيئي هذان المحددان هما: قطاع التنمية الحيوانية وهواية الصيد البري.
منذ فترة و أنا أقف مندهشا أمام إهمال يصل في جرمه إلى مستوى تخطيط و تنفيذ عملية إبادة جماعية إهمال متعمد لسلطات هذا البلد المتوالية للوسط البيئي بل و المساهمة الفعلية في تدميره.
أريد أن انتهز فرصة بداية موسم الخريف و هو موسم انتعاش قطاع التنمية الحيوانية و الوقت المناسب للإسراف في زهق ارواح الحيوانات البرية لمجرد التسلية لألفت الإنتباه إلى هذا المشكل العويص حقا. ارجوا من وسائل الإعلام المستقلة ممن معهم ضمير و حس وطني ولم يتذوقوا بعد لذاذة طعم التمالئ و السكوت المأجور إلى رفع مستوى التحسيس بخطر هذا المشكل.
مسألة تكاثر هذه القطعان خارج كل ضابط و غياب سياسة تضبط المراعي و تحد من القضاء على الغطاء النباتي و ابادة الحيوانات البرية و توازن الوسط البيئي قد سبق و أن نبهت لها في معالجة نشرت في جريدة الشعب بتاريخ 9 أغشت 2007 العدد 8734 .
نعرف جميعا أن هذا القطاع عنيد وهو القطاع تقريبا الوحيد الذي تكاد تغيب فيه الدولة. حساسية هذا القطاع تكمن في أن نسبة كبيرة من فقراء هذا البلد تعيش عليه من مختلف الشرائح إلا أنه مع ذلك أصبح منذ فترة ملاذا آمنا للكثير من الأموال القادمة بصفة غير شرعية من خزينة الدولة وفائض مدخرات بعض صغار رجال الأعمال و بعض عائدات تحويلات المهاجرين. و المشكلة ليست في أموال خارج الدورة الإقتصادية فهذه طبيعة أغلب رأس المال الخصوصي في هذا البلد بل أن المشكلة تكمن في حجم الضرر الهائل على الوسط البيئي. لقد ذكر لي أحد رؤساء الوزراء السابقين في حديث حول الموضوغ أنه أعد نصا قانويا لتنظيم القطاع وفرض ضريبة على أصحاب القطعان الكبيرة في هذا الميدان تدخل خزينة الدولة تساعد في تحمل جزء من أعباء النمو مثل بقية القطاعات و تسمح باستثمارت في هذا المجال تدخله الدورة الإقتصادية و كانت ردة الفعل مدوية و طرحت القضية مباشرة على رئيس الدولة وقتها من طرف نافذين في الدولة وفُسر الأمر على انه تصفية حسابات مع جهة معينة و تمييز عنصري ضدها و أغلق الملف إلى غير رجعة.
أما بخصوص هواية الصيد البري فقد انتشرت مثل الخلايا السرطانية في السنواة الأخيرة و فتكت و تفتك بكل خلية من جسم الحلم الأمل الذي خُيل إلينا أنه قد انتعش و نما مع زيادة معدل الأمطار في السنواة الاخيرة على بحر الرمال الهائجة زحفا تلتهم كل أخضر و يابس. في دول أخرى تصل غرامة صيد ارنب واحد من دون إذن رسمي إلى قيمة مليوني أوقية هذه الدول و للعلم باستطاعتها أن تفتح باب الصيد على مصراعيه و بصفة ابدية دون كبير خوف على وسطها البيئي.
تذكرت قبل ختم هذا الحديث العبارة الشهيرة لأكبر مفكري إسبانيا بداية القرن الماضي " أورتيكا إكازت"
<< أنا هو أنا و ما يحيط بي ولن أنجو ما لم انقذ معي ما يحيط بي>>.