بقلم محمد ولد الكبيرـ مدريد ـ إسبانيا
<< بسبب دورانها الدائم في فلك الإمبريالية الإستعمارية فإن الطبقة المسيطرة في مجتمعاتنا لم تكلف نفسها عناء التأكد مما إذا كانت الوطنية قد تكون أكثر نجاعة لها من الخيانة أو ما إذا كان هناك طريق أخر لممارسة السياسة الدولية غير استجداء الصدقات. ترهن السيادة الوطنية بحجة أنها الحل الوحيد المتوفر، الحجج الواهية لهذه الطبقة تخلط عن قصد ولمصلحتها بين فشل طبقة اجتماعية وبين ما تصوِّره على أنه هاوية هي قدر وطن بأكمله.>> ادواردو غاليانوا من كتاب "الأوردة النازفة لأميكا الاتينية" ص 18
الإستعدادات جارية للإحتفال بعيد استقلالنا الوطنيي ، والإحتفال بهذه المناسبة من ناحية له ما يبرره ما دام أن الإستعمار قد رحل وأن الدولة قد تم تأسيسها. و لكن يجب لفت الإنتباه في هذا الصدد إلى أن الإستقلال يفرض أو يعطى و يأخذ هذه التسمية عندما يكون المحتل قد استباح وأخضع إرادة دولة أو شعب منظم في شكل من الأشكال التي تعبر عن إرادة مشتركة مجسدة في أطر معينة. أعتقد أن الحال في موريتانيا يصدق عليه أكثر مفهوم خلق الدولة الموريتانية. مؤسسات هذه الدولة و إسمها كانت قبل 1960 نكرة و المستعمر قبل رحيله هو من فصل لنا الثوب الذي نتدثر به اليوم دون أن نستشار في مقاس الثوب و لونه.
أردت انتهاز فرصة هذه المناسبة، التي لو سُمح برأي لمن ليس في العير ولا في النفير لما خلدت أصلا، لأنبه لبعض المسائل التي تستحق بعض التأمل و وقفة مراجعة من طرف القائمين على الشأن العام في هذا البلد.
و في هذا الصدد قررت وضع بعض نقاط الإستفهام أمام بعض الركائز الجوهرية التي تمس صميم الأمة و هوية الدولة و الشعب.
عن التسمية:
لن أخوض في الموضوع طويلا لأن الأمر قد تم التعرض له كثيرا و انتُقدت التسمية و اقترحت بدائل و حلول و لكن المشكلة هي من الحساسية بدرجة أن أي تعرض لها سيعرض الوحدة الوطنية لهزة عنيفة. و إن كنت أعتقد أن جزءا من النفور الذي يصل إلى حدِّ العداء أحيانا بين المجتمع و الفرد من جهة و بين الدولة و مؤسساتها من جهة أخرى يرجع في جزء منه إلى الغربة التي يشعر بها الإثنين داخل هذه التسمية.
عن التاريخ:
مع أن الشعب الذي استعمر
لم تكن له دولة قائمة تظل الجميع و لا سلطة يرجع لها الكل فإنه لم يكن شعبا من الشعوب البدائية لا تاريخ له و لا ثقافة و لم يكن المستعمر هو أول من أقام سلطة في هذه البقعة. ساكنة هذه الأرض عرفت تعاقب انظمة و دول و امبراطوريات و حتى عند مجيئ المستعمر لم تكن السلطة غائبة تماما بل كانت هناك عدة إمارات و مشيخات تقوم بجزء لا بأس به من وظائف الدولة مثل بسط الأمن وتأمين الحوزة الترابية.
مشكلة الدولة التي خر
جت من المصنع سنه 1960 هي المواجهة ربما غير العلنية منذ ذلك الوقت مع تاريخ هذا الشعب بوصفه أكبر خطر يتهددها. قد تكون دولة التأسيس لم تكن مخطئة تماما في نفورها من جوانب من هذا التاريخ ولكن ما لم يفهمه القائمون على جهاز الدولة بعد رحيل المختار ولد داداه أن حرب الدولة مع التاريخ لم تكن حربا مع كل تاريخ هذا البلد بل كانت حربا مع جزء منه فقط وهو الفصل الأخير من هذا التاريخ المتعلق بتاريخ السيبة وإماراتها و مشيخاتها التي تهدد الكيان الجديد في وجوده. وحتى الحرب على هذا الجزء لم تكن حربا أبدية بل كانت ،على ما أعتقد، حربا مؤقتتة إلى حين التمكين لهذا الكيان الجديد. من المهم في هذا الصدد أن يفهم القائمون على الدولة اليوم أن التاريخ لا تمكن محاربته وجها لوجه وأن المستقبل يتغلب عليه بطريقة واحدة هي ابتلاعه وأن المواجهة التي تشن بالوكالة على تاريخ هذا المجتمع وعلى ثقافته ولغته لن تفلح في خلق أنسان و مجتمع جديدين لأن المجتمع و الفرد يختلفان عن مؤسسات الدولة التي يمكن خلقها أو تصويرها من نسخة أصلية والا فل يسأل من له شك في ذلك منظري الأتاتركية عن مشروعهم للمجتمع التركي إلى أين وصل.
يخامرني شعور بأن هذا المجتمع انطلق منذ مجيئ المستعمر إلى هذه الأرض من مشروع مزور للسلطة و الدولة: الفرد (و المجتمع بدرجة ما) لم يرض يوما بالإستعمار و مع ذلك لم يواجه ( باسثناء حالات مشرفة و رائعة حقا ولكنها كانت اسثناءا ) و إنما حور كيانه و كيفه مع الوضع الجديد ليضع نفسه في حالة الرافض ضمنا القابل ظاهرا وهذا هو نفس التعاطي مع الدولة و مؤسساتها بعد رحيل المستعمر إلى حد الساعة. ليست لنا ثقافة و تركم في الممارسة السياسية تسمح لنا بفرض الإرادة الجماعية على الدولة ولكن لنا القدرة على تكييف هذه الإرادة و منحها المرونة الازمة لتتعايش مع كل لازمة تفرضها الدولة وذلك مع كره لها و تمالئ ضدها في السرُّ.
عن القيم:
مشكلة القيم التي يعاني منها هذا المجتمع منذ قرابة عشرين سنة تقريبا تكمن حسب وجهة نظري في أن القيم التي حكمت هذا المجتمع إلى أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي هي نفس القيم التي راكمها مجتمعنا البدوي منذ عدة قرون. و أن منظومة القيم هذه تآكلت و انهارت بعدما ارتطمت بتحديين كبيرين:
التحدي الأول هو المدينة: هذه القيم ليست معدة للنظام الحضري مما يعني أنها لا تستطيع بكل بساطة أن تحكم العلاقات الإجتماعية و تضبط سلوك الفرد والجماعة في الوسط الحضري. نظام الحياة الحضرية أكثر تعقيدا و أقدر على المراوغة ومحددات السلوك و إكراهات الحياة فيه تختلف عن الحياة البدوية.
التحدي الثاني هو تحد التقنية و العولمة و سلاحها الفتاك في تدمير القيم الأخلاقية و ما وضعت هذه العولمة أمام الفرد من إكراهات تمثلت في سيل جارف من وسائل الإعلام تفتك بالقيم و تطحن الفرد بين طوفان الحاجات الكمالية الجارف و واقع محدودية الإمكانات. تقاليدنا في التنشأة و التربية الأسرية محدودة جدا إلى منعدمة، قلة الثقة بالمجهود الذاتي والتخطيط و الصبر على الأهداف، الإنبهار بكل ما تقذفه التقنية و التعلق بالمظهرية و البراءة الزائدة...
المجتمع اليوم تطحنه حرب قيم بالدرجة الأولى الفرد و المجتمع اليوم يسعيان وراء مجموعة من القيم المتناقضة و يلهثان خلف غايات متعارضة يريد الواحد منا أن يتمثل كامل قيم المجتمع البدوي و أن يستجيب في نفس الوقت لإكراهات الحياة المادية و أن ياخذ قسطه كاملا من آخر ما استحدثته التقنية المعاصرة من وسائل الرفاه. ما نشاهده من تيه اليوم و ترنح للقيم و للمجتمع عموما يرجع في جزء منه إلى هذه الأسباب.
عن الهوية:
مشكلة سقط فيها المجتمع أو أسقط فيها من طرف نخبته المتعلمة منذ نفض المستعمر يده من هذه الأرض بشكل رسمي هذه المشكلة يمكن أن نسميها تسييس الهوية. منذ نشأة الدولة انقسمت الفئة المتعلمة في هذا الشعب إلى فسطاطان: فئة انهمكت مدعومة بسياسة استعمارية معلنة مطبقة منذ عدة عقود تقوم على إلحاق موريتانيا بإفريقيا الغربية وربط هويتها بالهوية الإفريقية مما سيترتب عليه قطع الصلة بين أغلبية ساكنة البلد في ذلك الوقت و عمقها الحضاري و الثقافي و الديني في الشمال. أما التوجه الثاني فهو كما نعلم كذلك برز بشكل مسيس بدايات تأسيس الدولة مدفوعا بما يسمى المد العروبي في المشرق وحركات التحرر و أفكار الوحدة العربية. لقد ألهب الإستعمار و سياسته التي سبقت الإشارة لها و فرضه للغته و إعتماده على الأقليات في استعماره للبلد و تسييره للشؤون العامة هذا الصراع. لن اطيل في هذه المسألة المعروفة فالمقصود من هذا الأستطراد هو أن هذا الصراع، الذي سُيس من الوهلة الأولي و أُعطي أبعادا ثقافية و فئوية عنصرية، ألهبت به مشاعر الجميع و أدخل في إطارصراع من أجل الوجود من طرف فئة من هذا المجتمع و من أجل إثبات الهوية المستلبة من طرف فئة أخرى. شغل كل ذلك الجميع عن البحث في التاريخ المتوسط و القريب لهذا المجتمع و موروثه الثقافي المشترك عن هوية حقيقية نابعة من الذات يجد فيها الجميع التعبير عن ذاته و تطلعاته.
لو سمح الجميع لنفسه بنظرة متأنية لموروث هذا المجتمع ما قبل الإستعمار و ب
حث عن أسس للتعايش و مقومات لهوية مشتركة لوجدنا ملامح هذه الهوية المشتركة و ركائز هذا التعايش منتصبة في هذا الموروث المشترك. صحيح أننا نحتاج إلى نظرة تفحص و تُحلل هذا التاريخ دون تدخل من الحِقبة الإستعمارية تلك الحقبة التي أصبح اليوم من شبه المستحيل رؤية أي زاوية من تاريخ مجتمعنا دون الإستعانة بمنظارها. من المفيد أن يكون باستطاعة مثقفي هذا البلد و مؤرخيه بصفة أخص أن يقدموا للقائمين على إدارة الدولة فرصة تسمح لهم إن هم أرادو ذلك أن يطلوا من أحد جوانب الشجرة ليتأملوا ويكتشفوا كامل الغابة.
هذا المجتمع لن تكون له إلا هوية تسمح بقدر من التعدد أو هوية بلونين أو عدة ألوان أو هوية يستطيع أن يراها كل باللون الذي يروق له. هوية شاملة تسمح بقيام هويات أصغر تجد نوعا من التعبير عن ذاتها داخل الكل و دون تصادم أو تعارض معه بل خالقة لنوع من الديناميكية داخله هذه الهويات قد تتنافس دون ان يهدد ذلك الهوية الشاملة بل على العكس يكون دافعا و محفزا لها و مزودا لها بمزيد من القوة و الصمود.
هناك حسب وجهة نظري عقبات أمام خلق مثل هذه الهوية أو على الأصح إعادة أكتشافها في تاريخ و موروث هذا الشعب و من بين هذه العقبات على سبيل المثال:
ـ منظار الحقبة الإستعمارية الذي لم نستطع حتي الآن أن نسترق النظر من خارجه لماضي هذا الشعب وعندما أتكلم عن منظار الحقبة الإستعمارية لا أعني فقط التأثيرات الإجتماعية و الثقافية التي رافقت الإستعمار منذ دخوله إلى اليوم بل أعني كذلك الشحنات العاطفية و الصدامات التي رافقت مسيرة تأسيس الدولة و النظرة للمستعمر و الصراع العلني و الخفي حول هوية الدولة و الخلاف الحاد جدا بين نخبة المجتمع من الفئات المختلفة في تلك الفترة على أي ذيل سنلتحق به في مسيرتي التحرر العربية و الإفريقية، على أي هوية سنلتحق بمؤخرة صفها.
ـ المخلوق الذي صنع لنا على عجل و اطلق عليه إسم الدولة لم يكن إلا نسخة مضغوطة من تجربة تراكمية أبدعت دولة مركزية نشأت في محيط جغرافي و أجتماعي مختلف لا يمت بصلة من قريب أو بعيد لمحيطنا. و هو شيء كلما كنا أسرع في الإقتناع به و التأكد منه سنتقدم بنفس القدر من السرعة في إعادة أكتشاف و تحديث وتكييف هويتنا المغيبة منذ فترة من الزمن. هذه الهوية حتي لو وضعت بين ايدينا لن نتعرف عليها بل قد ننكرها ما لم نمر بالمرحلة الأولى و هي إقتراف جرم اختلاس النظر خارج المنظار الذي صمم لنا منذ وصول المتستعمر إلى هذه الأرض.
ـ الهويات الفرعية لا يمكن أن تعبر عن نفسها في ظل نظام مركزي على جميع الصعد يجب تدعيم صلاحيات بعض الأقاليم و منح صلاحيات وو سائل مادية للبلديات لتعبر عن طموحات و آمال الجماعة و الجهة و خصوصا إذا كانت هذه الجهة ذات خصوصية ثقافية معينة. هذه المسائل حان الوقت لبدإ التدرج فيها. و لكن ما يحز في النفس حقا هو تجانس هذه الطبقة السيئة من السياسيين و المثقفين التي ترعرعت و ما زالت تنموا في أحضان هذا المجتمع مع بعض الإستثناءات القليلة جدا.
عن اللغة و الثقافة:
سبق و أن قلت أن مشكلة اللغة العربية و التحدي الكبير الذي تعاني منه هو تهميش كل ما يتعلق بها في الإدارة العامة للدولة. الحقيقة أن المعالمة اليومية لهذه اللغة و المتعلمين بها من موظفي الدولة و الناطقين بها من مستعملي المرفق العمومي هي معاملة استقذار و استخفاف شديدين.
في الوقت الذي احرر فيه هذه السطور و أتهم نفسي بحدة التعبير و التطرف في الخطاب و ألح عليها في عدم المبالغة قرأت نبأ في أحدى الجرائد الإلكترونية مفاده أن وزيرا في دولة الجمهورية الإسلامية الموريتانية قد أنذر أحد مديريه بأنه لن يستقبل منه أية و ثيقة مكتوبة باللغة العربية. هذا النبأ وصل إلى وسائل الإعلام: فكم حالة من هذا النوع لم يعلم عنها شيئ؟ كم من مسؤول تجنب المواجهة مع رئيسه وبحث عن طريقة أخرى ليوفر على نفسه عواقب غضبه عندما يقدم له وثيقة مكتوبة بلغة القرآن و اللغة الرسمية لدولته مخافة تداعيات مجلس الوزاء الأسبوع الموالي على دخله الشهري و مصدر عيش زوجته و أبنائه أو قرار فصل تعسفي في نفس الدقيقة في حالة سلطة الفصل بيد الرئيس المباشر؟
قراءة هذا النبإ نستخلص منها ببساطة في أقل التقديرات أن مكتب الوزير لم تدخله وثيقة مكتوبة باللغة العربية منذ تعييه. وهو أمر فضحه تنظيم القاعدة في المؤتمر الأخير للسيد الوزير حول الهجوم المشترك مع القوات المسلحة الفرنسية لتحرير مسن فرنسي طرق باب الثمانين من العمر حيث ظهر أن الوزير ليست عنده مشكلة مع اللغة العربية فقط بل إنه لا يستطيع أتقان خطاب بالحسانية. اللغة العربية لقيطة في إدارات الدولة العامة يستتر من فضيحة التحدث بها القريب قبل البعيد.
وأخيرا هلل الجميع و أحتفلوا وأخذوا عطلة مفتوحة بعد أن قررت وزارة المالية كتابة نصف كشف المرتب لموظفي و وكلاء الدولة باللغة الرسمية للدولة بعد مرور خمسين سنة على الإستقلال الذي تجري على قدم وساق الإستعدادات للإحتفال بخمسينيته.
إن صحة الإستقلال و عافيته نكتشفها في هذا المحدد ا
لأساسي و يخطئ من يظنون أن الإستقلال له وجود و اللغة العربية تداس في مكاتب إداراتنا العمومية و يهان الموظفون و المسؤولون الناطقون بها و يهددون في مصدر رزقهم و عيش أبنائهم و ما يترتب على ذلك من إداسة لكرامتهم الشخصية و انسانيتهم لمجرد أنهم كتبوا بلغة هي لغة الدولة الرسمية بنص الدستور. أين الإستقلال في هذه الحالة؟ أين المجلس الدستوري؟ أين المحاكم الإبتدائية و محاكم الإستئناف و جميع مؤسسة القضاء؟ أين الديمقراطية؟ هذه تسمى ديمقراطية الأبواب المفتوحة إلى الخارج استجداء لبعض المنافع أو تجنبا لبعض العتب، أما في الداخل فالحال أننا أمام ديقراطية الأبواب الموصدة، أمام ديقراطية التسمية، ديقراطية الثوب.
مشكلة ساكنة هذه البحبوحة كما قلت هي أن السلوك الذي درجت على معاملة المستعمر به هو نفسه الذي ما زالت تعامل به الدولة اليوم: المواطن و الجماعة لا يتماهون مع الدولة و لا يناطحوها و إنما يتكيفون و يلائمون انفسهم مع كل سلوك تتخذه اتجاههم، ليست هناك سياسة مواجهة كما ليست هناك سياسة تبني. و السبب حسب ظني هو أن الدولة بدورها تجد تعريفا لنفسها لا يشمل الفرد و المجتمع لأن الدولة وجدت بدونهما: أعطيت و إن شئت قل صنعت و عندما خرجت من المصنع لم تذهب للفرد و الجماعة لعرض نفسها عليهم ليحصل القبول و تتم الشرعية و يحصل التبني بل ذهبت إلى بحبوحة خالية و أقامت عليها مؤسساتها. الفرد و الجماعة عندما قدما إلى الدولة قدما مكرهين بسبب الجفاف و ضغط الحياة.