2010/07/29

من باع الدم بالصُحْبَة ؟

بقلم المصطفى ولد أحمد سالم الشريف

مجتمعنا أقوى من الفناء ، من الذوبان ، له بنية ثقافية مكتملة ، له فعل وحضور في التاريخ ، له شخصية غنية ثرية مبدعة ، متصالحة متسامحة، يمتلك أدواته مكتف في نمط عيشه ، قناعته ؛ كنزه الذى لا يفنى وكنوزاً من المعادن تتبدى وتتكشف كل حين ظل سيداً في صحرائه التي حفظت له خصائصه وشخصيته وهويته ، وأبدع نموذجه المكتمل وخلق الحياة في الصحراء ؛ فكانت التجربة الموريتانية الرائدة التي بهرت العالم وقوضت مقولة " العلم ربيب الحضارة " . هذا المجتمع يعيش بعض أبنائه اليوم حالة انفصام وانفصال عن حقيقته ، ودوره وتاريخه وحتى جغرافيته ، ما أصعب غربة الإنسان عن المكان والزمان وهو يدعي الثقافة ويتناول السياسة في إدمان ومن تجليات تلك الصورة المؤلمة حالة الانفصام التى تكشفت أعراضها عند البعض وهو يحلل ويحرم ويحذر، ويهول ويرجف المؤمنين من خطر" القاعديين " والواقفين المترصدين وقد غفل هؤلاء أننا أبناء الصحراء هي : ملامحنا ، هي بيتنا ، هي عنواننا ، هي مهادنا ، وهي فراشنا وسماؤها لحافنا ، هي حصننا وملاذنا ، ليس هناك ما نخشاه لنا سجل حافل في معالجة قطاع الطرق عبر تاريخنا القديم منه والحديث ، وهؤلاء لن يجدوا من يقدم لهم العون والرعاية كما نال غيرهم من متمردي الشمال و الموت لن يخيفنا ، نطلبه في سبيل عقيدتنا نحن أصحاب عقيدة أيضاً تقول أننا مستخلفون في الأرض ، نعمرها نستعمرها ننشر السلام والمحبة ، ندعو بالحكمة والموعظة الحسنة ، نتعاون على البر والتقوى والصلاح والإصلاح . من يستحل أعراض العلماء ودماء المسلمين ، يريد إشادة إمارة على جماجم المسلمين ، يجاهد المسلمين والمستأمنين يقتل الأسرى المرضى ، يقتات على الكتب الصفراء هؤلاء الذين يمرون عبر تاريخ الأمة كالطاعون الريح الصفراء .

قامت قيامة البعض عندنا لأن الجيش الموريتاني دخل أراضي دولة السودان الغربي " مالي" في إقليم " أزواد " لملاحقة فلول القاعدة من أصحاب الفكر التكفيري التفجيري المخدرين المغيبين . وأظهر بعضهم مرضاً عضالاً يعاني منه الكثير عندنا ، هو عدم الثقة في النفس والآخر، والتقليل من شأننا ، والتهوين من أمرنا حد الإهانة لجيشنا ، وعلى فضائيات العالم . وتلك مسألة لا نجدها عند شعب غير الشعب الموريتاني ، وهي عقدة حديثة المنشأ لأن أجدادنا كانوا يتمتعون بثقة عالية عصمتهم من الضياع و الانسحاق والانقياد للآخر الأجنبي .

كنت مرة في الغرفة التجارية وجاء مصري مقيم يطلب توثيق سجل تجاري للاستيراد ، ويا خوفي مما سيستورد الفرعوني لنا ! وأثناء الحوار حدثني عن مباراة فريق الفراعنة وأن الجمهور سبّ المنتخب المصري وقذفه بقناني كان يتبول فيها البعض ، وهو أمر مرفوض وليس من فعلنا ؛ فليس كل من في الملعب موريتاني بالضرورة ، وقد حاولت تلمس العذر للغضب الموريتاني من الفراعنة مذكراً إياه بالهيكل العجوز فازداد تعصب الرجل ! وقد أكبرت فيه حبه لمصر، مع أنهم خليط من الشعوب ولكن حب مصر في دمهم عقيدة يدينون بها .

أما المرجفون عندنا من أهل السياسة ... يتناسون أن غياب موريتانيا الرسمية والشعبية عن إقليم أزواد هو خلل في الأمن الوطني ، وترك للمنطقة في حالة يأس وفراغ ، تصارع مختلف الأعداء ، والأدواء ، والإقصاء ، والتطهير العرقي الذى مارسته حكومات بماكو ضد العرب " المور" لا نصير لهم لا ظهر يسندهم ، في زمن تُقلبُ فيه الحقائق والمفاهيم ، لا أحد يتكلم عن جرائم الزنوج وعنصريتهم وبربريتهم !! لقد حازوا صفة الضحية ، استخرجوا وثائق من الغرب ومنظماته تبرؤهم وتدين العرب وتاريخهم ، لن يصدق قول لخصم فيهم ! وكان آخر أنواع البلاء النازل بأهلنا هناك القاعدة التي وجد ت الأرض خلواً من كل سلطة وتنمية ، مما ساعدها على التمركز في تلك الصحراء التي يعمر جزء كبير منها أهلنا وقبائلنا المنسية المقصية التى يجهل الكثير من أبناء موريتانيا اليوم أدوارها في نشر الإسلام واللغة في إفريقيا الغربية ، وهو دور لا يريد البعض كشفه والاعتراف به ، في ظل تنافس غير مبرر بين جهات الوطن ؛ فالمنطقة الشرقية هي مهد حواضر عريقة كانت عامرة بالدعاة والتجار الذين نشروا الإسلام في تلك الربوع في حين نجد أن الإسلام دخل إلى دكار في القرن التاسع عشر في حدود 1860م بفضل جهود أتباع الشيخ سيديا الكبير، هذا الكلام لأولئك الذين يحاولون كتابة تاريخ المنطقة دون توجيه بوصلة البحث شرقاً. لقد تركز وتعمق ذلك الفعل والحضور الإسلامي من خلال زاوية الشيخ سيد المختار الكنتي الفهري وأبناؤه من بعده وغيرهم من بيوتات العلم والشرف ؛ فنحن لهم ومنهم ، وهم منا ولنا ، ودورنا وواجبنا أن نكون لهم السند والعون ، ليكونوا لنا وقت الرخاء و الشدة ؛ فالمخاطر مشتركة القائم منها والطارئ إن موريتانيا الرسمية والشعبية غائبة ومتراخية عن القيام بأدوارها ولعب أوراقها الرابحة ، في كل ساحة تواجد فيها أبناؤنا وسفراؤنا ، الذين تركوا الرصيد المعرفي والحضاري الذى به نباهي ونفاخر كل حين ، و نستجلب به العون من البلاد التى مر بها أو أناخ بعرصاتها ركب الحجيج الشنقيطي ، الذى كان يحمل بضاعة مجزاة تشع بمكارم وفضائل هذا الشعب العربي الأصيل ، وليس كحجيج اليوم المسيّر تحت رعاية الدولة التى لم تصن ذلك الميراث والتراث ، ولم تضف إلى ذلك الرصيد والحضور ، وكان جزاء مدن القوافل والعلماء أن تركت تواجه مصيرها ترقبه بصمت وصبر المحتسب يقول أحدهم وقد راعه ما شاهد :

وقفت على كتب رثيت لباسها *** فقلت ودمع العين هامع

مضى أهلها واستحقرت وتأيمت *** فليس لها بال ولا من يطالع

تلك هي حقيقة دولة تدير ظهرها لتاريخها لثقافتها ، ماذا تنتظر من العقوق والنكران للذات، والهوية، والتاريخ؟ من ليس له ماضي ليس له مستقبل ؛ هاهي الدول تباهي بمدن الطين والقلاع وسباق الهجن وسلال السعف، تعرض فلكلورها ويتمايل رجالها في رقصة السيف الحربية كتعبير عن التمسك بالجذور وتأكيد للشخصية والهوية ، أما نحن الذين نقول للعالم " أن الرأس لا يكون ذنباً " وأن أجدادنا اندفعوا بالإسلام دعاة ومرشدين ودخلوا الصحراء بلوح وكتاب وركاب ، ونكتفي هنا ، لا نمجد ذلك التاريخ ، نتنكر له ، نخجل منه ، نسئ إليه ، كل منا على طريقته وللأسف منشغلين بحوارات ومشادات مملة ، حول أماني عواجيز السياسة ، " إن الأماني والأحلام تضليل " غافلين عن التنمية الحاضن والضامن لكل ديمقراطية ! في مدينة المحار، أو شط النوق ، أو المنطقة الرمادية ، مدينة الفوضى الغير خلاقة والغير أخلاقية ، التى أريد لها أن تكون مكباً وميداناً للحشر قبل يوم الحشر لهذا الشعب المنكوب ، هذا المكب المستباح من أسراب الباعوض والمهاجرين ومجاميع الحمير ، حيث الوطن اختزل في اللوحة السريالية المسماة نواكشوط . لقد تمت عملية تفكيك المجتمع وفق نظرية التفكيك وإعادة التركيب ولازالت محاولات التجميع مستمرة ، متعثرة في ظل جهل بلغة " كاتلوج" تركيبته و في ظرفية كهذه لا نعرف كيف ستكون تركيبتها النهائية نحن أحوج ما نكون لشعبنا في أزواد الرديف والظهير الأمين ، حزام ظهرنا ، وكلنا أمل أن يظلوا كما كانوا عبر التاريخ الجبهة المتقدمة للدفاع عن عمقهم الاستراتيجي موريتانيا ، ولن يكون ذلك دون أن نصلح ما اقترفناه في حقهم ، من التنكر و التجاهل والتخاذل وهم يعانون التطهير العرقي والإبادة الجماعية . قد يقول قائل الدولة مقيدة بجملة اتفاقيات وحسابات داخلية و دولية ليكن ! ولكن ما الذى يمنع منظمات المجتمع المدني من جمعيات المحامين والإعلاميين ، والعلماء والمشايخ ورؤساء القبائل من التواصل والدفاع ومد اليد بكل نصرة وعون ، من منكم ينكر هذه القبائل؟ هل يتحول الدم ماء عندكم ؟ و الأرحام التي بها تساءلون هل تقطعونها ؟!، والتى عنها تسألون !! الرحم في الحديث القدسي معلقة بالعرش تقول" من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله " " اللهم أصل من وصلني وأقطع من قطعني" هل تنكرون القبيلة ؟! تذكرت عراقي يقول من ليست له قبيلة ليس بعربي ! وهو صادق إما نسباً أو ولاءً ومولى القوم منهم بل من أنفسهم! وهي في حال توظيفها بشكل سليم عامل بناء ولحمة وطنية ورافد قوة للمجتمع والدولة بعيداً عن التعصب والتعالي والجاهلية الأولى ولا زال خطاب الشيوعية العالمية ضد القبيلة يتردد صداه في مجتمعنا ، مع العلم أن القبيلة وقفت أربعة عشر قرناً سداً منيعًا في وجه ضربات الشعوبية الحاقدة ، التى تطمس الرسوم وتذيب الأصول ، وكانت أشد هجماتها قديماً وحديثاً موجهة للأنساب العربية ، ولا زالت الشعوبية تسفر عن عدائها وحقدها على العرب ورسالتهم ، تتلبس بلبوس شتى وقد استطال لسانها وفعلها اليوم في بلادنا .

تأملوا ما نحن فيه، وما يتهددنا اليوم وغداً، وتأمل معي جيداً أسأل نفسك هل لي رحم في : " كنتة ، البرابيش أولاد سليمان ، أولاد عمران ، أولاد يعيش ، أولاد غنام ، أولاد بوخصيب ، أولاد غيلان ،أولاد إدريس ، أولاد بوهندة ، القوانين ، السكاكنة ، رقان ، النواجي ، ياداس ، أهل أروان ، الأشراف الأدارسة والسليمانيين و الأنصار وقبائل لمتونة ،،، " إن إقليم كيبيك في كندا مثلاً لازال يرتبط بفرنسا الأم ويطالب بالانفصال ! بينما نتخلى نحن عن أهلنا لمجرد أن خطاً وهمياً رسمه المستعمر على الرمال يفصل بيننا !! فما تفسيركم وتبريركم لذلك ؟! لا أحد ينكر ذلك ، أو يتدبر يتفكر في ذلك ، لا أحد يشغله المصير، يسند حقهم في تقرير المصير !هناك من يبرر ويتملص من المسؤولية بالقول إن الدولة المحسوبة علينا في تراب البيضان لم تنبت في رحم المجتمع ، لا تتكلم لغته لا تحترم ثقافته تاريخه ، لا يشغلها تطوره ، صحيح لقد جاءت ولادة الدولة الموريتانية الحديثة في ظروف غير طبيعية تحفها الكثير من العقبات والتهديدات والدعاوي الواهية والتى كان من نتائجها التخلي عن أزواد ، أهل أزواد لم يتنكروا يوماً لموريتانيا ، ولم يحملوا السلاح للانفصال عنها ، بل حملوا السلاح لرد الجور الواقع عليهم ، حلمهم أن يتحرروا ، أن يكونوا جزء من وطنهم بين أهليهم الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله بعد أن تفجر الخير في الجزيرة وجه دعوة لكل أبناء المملكة الذين خرجوا سنوات القحط والخوف طلباً للرزق والأمن بالعودة ورجعوا ثقالا وخفافاً من العراق، وأطراف بادية الشام ، وحواف اليمن والسودان ، وسيناء ، وغيرها من مناطق شتاتهم ، واسترجعوا جنسية بلدهم الأصلي وساهموا في حمايتها ونهضتها ، هل نعجز نحن عن ذلك يوماً ؟ من يستطيع أن يمنعنا ؟! سترتفع أصوات المرجفين من الذين مردو على النفاق ، وبقايا تجار الصمغ العربي وحزب الترجمانية ! ولكن هل نوجه الدعوة لأبنائنا في الشرق الأبعد في تركيا ، والحجاز، والسودان ، والأردن ودول المغرب العربي وغيرها للاستفادة من خبراتهم العلمية والوظيفية ؟ أم أن الشرق يثير حساسيتنا ؟ من يتواصل معهم من برلمانيين ورؤساء أحزاب ؟ هل تمدهم السفارات بالمنشورات والمطبوعات عن بلدهم الأصلي موريتانيا ؟ ترغبهم في الاستثمار ، توجه لهم الدعوة في احتفالاتها ؟ هناك نكتة سمعتها مرة أن " الموريتانيين أكثر من الصينيين يَغيْر جاحْدِيْنَهَا " وكان الرئيس الأسبق المختار ولد داداه يدرك حجم النكبة التى حلت بمجتمع العرب البيضان " المور " يعبر عنها في ما خصّ أزواد والصحراء الغربية بقوله سنة 1957م : " إنهما جناحا موريتانيا التى لا يمكن أن تحلق بدونهما " وقد صدق الرجل لازلنا نراوح مكاننا !! لا نضمن سلامة ما بين أيدينا ، نجني ما كسبت واقترفت أيدي بعضنا ، نرقب مصيرنا ، لننتبه للجرذان التى تحفر تحت بيتنا، لبعضنا قصة مع جرذان قيل أنه كانت في مأرب ... أغرقهم فأر! لنحذر الغرق ، لننصب للجرذان الفخاخ في الداخل وعلى الحدود، والقاعدة من المفسدين في الأرض، وبالتالي هي المطلوب الأول في قائمة الجرذان .

مدير/ مركز الموروس للدراسات والبحوث

عدد القراءات:

علق على المقال