إظهار بحث المتصفح

شريط المتصفح

البحث

 وادي كلالة.. منارة من منارات العلوم الشرعية.

تابعت البرنامج التلفزيوني الذي تناول محظرة الشيخ الحاج ولد فحفو.. تلك المحظرة النائية التي تحرسها الجبال.. توقفت عند كل مشهد من البرنامج متأملا بساطة وسماحة أهل القرية الوادعة رغم شظف العيش.. ذكرتني الوجوه القانعة بوجود جزء منا إذا أشبعناه بالإستقامة والرضا فلا يهم بعد ذلك جوع غيره من الأجزاء، ذلك الجزء هو الروح، فإذا امتلأت بطاعة الله والحياة لأجله فلا مكان للإحساس بعذاب الفرج والبطن، بل يتحولان إلى مكملين لدورها في الحياة بدل ان يكونا أهم ما يعصى الله عز وجل بسببه فيها..


تأملت سباحة الصبيان الأبرياء في الحفر الصخرية الممتلئة بالماء (أَبَنْقَانْ كما يسمونها، وواحدها أَبَنْقْ)، والتي سبقهم إلى السباحة فيها أجدادهم الكرام، وقارنت ذلك ببرك القاذورات والباعوض المنتشرة في نواكشوط، فزادت قناعتي بتعاسة من يعيش في الآخيرة..
تأملت وضاءة الوجوه الداكنة التي تحدثت لمقدم البرنامج - الذي أحيه تحية خاصة على شغفه الظاهر بتلك العوالم المنسية الجميلة.. فرغم الفقر الظاهر تتجلى عليها الطمأنينة والراحة، والسبب هو خلو البال من غير الضرورات البسيطة من تفاهات التمدن الناقص، وملامسة الطبيعة العذراء التي يشفي ملمسها من كل داء، إضافة إلى أهم شيء في الحياة، وهو: ترسيخ الوقت لتعلم ما ينفع من علوم مباركة، وعبادة الخالق عز وجل في تلك البقاع بين الصخور الطاهرة المراقبة.. فهنيئا لساكنة ذلك المكان..
تأملت نسوة يمتطين حمرا غير مستنفرة في مشهد يعيدك إلى الماضي السحيق، وأخريات يجمعن مياه راكدة ليت الحكومة تصفيها لهن على الأقل..
حقا إن الجمال يكمن في مخالطة الطبيعة بعشبها وحمرها وصخرها ونجومها التي لا تحول الآضواء المبتاعة من سومنلك دون ملامستها للرؤوس..
إن الراحة والسكينة تتبدى في الخلوة في مكان كهذا ينعم بالسعة والهدوء والجمال.. إنها تكمن في قيام الليل بين تلك الجبال الصامتة المحترمة للسكون..
كيف أعجب من شيوخ أمضى بعضهم زهرة شبابه في ذلك المكان ( أكثر من 45 عام منذ استقر فيه) يتعلم العلم ويعلمه ويعبد ربه تحت تلك سمائه الصافية..
كيف لا أنصت بألم إلى مطالب سكان القرية التي تنحصر في مجملها في مطلب أساسي من حقهم على دولتهم الوفاء به، ألا وهو توفير الماء الشروب! وكيف لا توفره لهم هو والصحة، ثم تدعهم في عزلتهم المحمودة بعد ذلك إن شاءت، ليعيشوا في سلام ووئام وزهد وتعبد، بعيدا عن التحضر الزائف الذي جعل المدن العرجاء تعيش في حيرة بين البداوة والتمدن، هي وأهلها المساكين..
لقد ذكرت احدى السكنات فكرة عبقرية تكفي القرية فقالت: لم لا تعلمنا الدولة كيف يداوي بعضنا بعضا وتمدنا بالآساسيات، لا أكثر ولا أقل..  ذلك في رأيي يكفي تلك القرية الوادعة..
أما عَلم القرية اليوم فهو الشيخ لمرابط الحاج ولد فحفو ذلك العالم الصالح - ولا نزكي أحدا على الله - الذي حج على قدميه ماشيا بعد انتهائه من طلب لعلم ثم رجع إلى قريته ليستوطنها حتى اليوم مناجيا ربه في أصقاع عزلتها الخلابة بعد رفضه الإستيطان بغيرها رغم الإلحاح عليه في الطلب..
والذي تجلى حبه للبقاع المقدسة في قوله:
هاجت هموميَّ ذكرى البيت والحَجَرِ..... والحِجْرِ والركن بالغَدَاةِ والسَّحَرِ
وبئر زمزم في قلبي لها ذِكَرُ..... لله ما في الحشا من حَرْقَةِ الذِّكَرِ
وما صفا العيش بعدما الصفا بعُدَتْ..... كلا ولا غاب شكلها عن البصر
وأختها مَرْوَةُ في القلب لوعتُها..... كأنما يَصْطَلي شوقا على الجَمَرِ
يا لهْفَ نفسي على أرض بِأَرْبُعِها..... تاتي الملائِكُ بالآيِ وبالسورِ
ذلك الشيخ الذي رسخ حياته للعلم تعلما وتعليما، واختار العيش في تلك الأصقاع الطاهرة المتوارية التي تتغنى بالجمال والحياة.. والذي سار على نهجه رجال ونساء فضلوا ذلك الفقر الصافي المريح على المشاركة في نهب أموال الدولة في العاصمة..
فيا له من جمال.. أراض شاسعة تملؤها الوديان، وخيام وأعرشة مباركة، وديار الآوائل الخاوية على عروشها الشاهدة على سطوة الموت وترقب العالم الآخر، كلها مظاهر تدعوك إلى حمد الله تعالى على ان بسط الآرض لعباده، وجعل فيها اماكن مثل ذلك المكان الذي أتمنى زيارته يوما..

سيد محمد ولد أخليل
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أضف تعليق

كود امني
تحديث

معلومات إضافية