"أمجاد": ،بداية نود أن نعرف أولا طبيعة النشأة الأولى للسيد سيداحمد ولد ابنيجارة،ماهي ملامح القرية أو البيئة التي عرفها عن قرب في محيطه العائلي ،ماذا عن فترة الدراسة وبواكير الوعي الوطني لديه مع تلك المراحل الأولى لقيام دولة الاستقلال؟
سيداحمد ولد ابنيجارة: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين
.
قبل أن نبدأ الحديث -وما دام هذا اللقاء في سياق ذكرى الاستقلال الوطني-أريد أن أذكر بخير أولا الرئيس الذي كان أبا لهذا الاستقلال الأستاذ المختار ولدداداه وأن أترحم على روحه بهذه المناسبة ،لأن له دينا كبيرا علينا جميعا، فاليوم عندنا كيان موحد نتحدث باسمه ونختلف ونتحاور ، وإذا رجعنا للوراء وكنت حينها في سنوات عمري الأولى ، كنت شيئا فشيئا أدرك الأمور،ولكن للأسف هذا البلد نال استقلاله عن المستعمر دون قناعة تامة منه، أو هكذا كان يخيل للكثيرين،فقد كانت حالة فريدة من نوعها أن يصل بلد إلى الاستقلال، ومكوناته غير موحدة في الرأي والاتجاه العام ،إما غير واعية به كحدث تاريخي أو غير مقتنعة بحقيقته السياسية،وبالتالي هذا الرجل الذي يدعى المختار ولد داداه حقق حلما لأنه بنى خيمة فوق رمال متحركة، أصبحت دولة في ظروف لا توجد فيها سوى الخيمة فقط،،واليوم ما دمنا نملك القدرة على تقييم التاريخ،فإن هذا الرجل بالذات يستحق علينا كل الوفاء والتقدير,
وفيما يعني سؤالكم الأول عن نشأتي الأولى والمحيط العائلي الخاص،فقد نشأت في أسرة معروفة على المستوى الوطني،أسرة قيادة قديمة لم تكن أبدا محل نزاع كما يحدث عادة في مثل هذه الأوساط التقليدية،قيادة متساسلة عبر خمسة قرون من الزمن،مسقط رأسي كان في بلدة الزرافية في ضواحي لعيون بين لعيون وكيفه، وهي منطقة أخوالي أهل الحسن ولد مولود بلد علم وصلاح ،ولكن والدي أخذني في سن مبكرة-أربع سنوات أظن-وعشت معه في أرض تيشيت وتجكجه وما بينهما،وكسائر القبائل وخاصة قبائل بني حسان، فإن نظامها أساسا كان نظاما خارجا عن المدن ،والدي جزاه الله خيرا أخذني في مسار فريد في المحيط الذي أنتمي إليه ، أي هذا المحيط القبلي الذي يعتبر فن السلاح من أهم تقاليده، ويعتمد أساسا فيما يعني التعليم على جماعات الشرفاء والزوايا المقيمة معه في البلد ،ولكن أنا كنت في حالة فريدة ضمن الأسرة إذ أخذ لي الوالد معلما للقرآن من أسرة أعلام هي أهل ميابه راسخة القدم في القرآن وعلومه كما هو معروف لدى الجميع وكان يقيم معي في بيت العائلة، وهنا ختمت القرآن وعمري إحدى عشر سنة ،وكانت بالفعل حالة فريدة في هذا المحيط الاجتماعي الحساني البحت الذي يمتهن أهله "المدافع"أكثر من غيرها.
وأتذكر في تلك السنوات الأولى من حياتي أنني كنت أتعلم في المسجد أمام الخيمة وبعد الصلاة أذهب في المساء لجمع الحطب كي أدرس على ضوء ناره في الليل،وكان المعلم يوقظني قبل صلاة الفجر لأقرأ القرآن في هذا الوقت أيضا على نار الحطب الذي أجلبه من ضواحي القرية،ومن المغرب حتى صلاة العشاء إلى أن ختمت القرآن في هذا الجو الصافي البدوي الجميل .
وعندما ختمته كان ذلك فيما أذكر حدثا كبيرا في القرية فقد تجمع عندنا عدد كبير من الناس وأفراد القبيلة بدعوة من أسرتي للاحتفال معها بهذه المناسبة السعيدة مناسبة ختم القرآن الكريم من طرف ابن شيخ القرية.
بعدها دخلت المدرسة النظامية في تجكجة على يد دواهي ولد محمد السالك ،وهو معروف في حقل التعليم آنذاك، جاء إلى البيت وقال إنه لابد أن ألتحق بالمدرسة،وكان ذلك في فبراير1958.
وتعود نشأة التعليم الحديث في تجكجه إلى بداية الأربعينات، وكان يدير المدرسة التي التحقت بها في تجكجه فرنسي يقال له" لنوبل" وكانت تصدر الطلاب إلى الإعدادية وتمنحهم شهادة الدروس الابتدائية،في يونيو1959 شاركت في مسابقة الدخول إلى الإعدادية ونيل شهادة الدروس الابتدائية، وكان هذا حدثا مهما في تلك الفترة،نجحت وذهبت إلى إعدادية روصو للدراسة بعد سنة ونصف فقط من التعليم الابتدائي في تجكجه، اختزلت فيها سنوات من المرحلة الابتدائية ،حيث كنت أقضي شهرا أو شهرين في هذا الفصل أوذاك ، لأنتقل منه إلى فصل آخر، ومن زملائي في الدراسة بروصو أحمد ولد الزين رحمه الله أظن أنه درس أولا في أطار ،ومن أصدقائي في الدراسة بتجكجه الحافظ ولد أحمد فال وكان ذكيا شغل في مرحلة لاحقة منصب المدير المساعد للخطوط الجوية الموريتانية.
في تجكجه كنا في الفصل التحضيري لمسابقة الإعدادية واختبرنا مدير المدرسة المسمى لنوبل،ولم أكن حينها أتقن الفرنسية ،لكنني كنت أتقن النحو الفرنسي،كما كنت ذا باع أيضا في قواعد النحو العربي وأعتقد أن هذا الأمر قد أعانني في الدراسة فقد كنت أقارن بين اللغتين في مجال النحو الذي كنت شديد الاهتمام به،وكنا طبعا ندرس اللغة العربية في النظام التعليمي الفرنسي القديم..كان أستاذا في العربية رجل فريد اسمه البراء وهو من منطقة"التاكيلالت"في اترارزة وهو والد الشاعرة المعروفة باته بنت البراء.
في امتحان الفرنسية الذي ذكرته آنفا تم اختيار الأوائل في السلك العالي من المدرسة وكان عبارة عن مقال أو إنشاء ولم أوفق أنا في النجاح في هذا الاختبار، لكنني رفضت الفشل وضياع هذه الفرصة للمشاركة في مسابقة الإعدادية لأنه كان علي أن أرجع إلى الفصل ما قبل التمهيدي ، أصبحت آتي كل يوم وأراقب من خلال النافذة الدروس التي يقدمها "لنوبل" لتلاميذه في الفصل التمهيدي ،بقيت شهورا على هذه الحالة وفي يوم من الأيام أذكر أنه كان في مايو –شهرين فقط قبل المسابقة-كان الأستاذ يعطيهم درسا في الحساب ،ثم أخذ يسألهم عن مشكلة حسابية معينة فلم يرفع أحد منهم يده لكي يجيب،فرفعت أنا له أصبعي من النافذة،وعلى التو أشار علي بالدخول فتوجهت إلى السبورة وقمت بحل المعادلة بشكل صحيح،حينها أمرني أن أجلس على مقعد في الفصل،وبدأ مباشرة بعد نهاية الدرس بإعداد ملفي للمشاركة في مسابقة الدخول إلى الإعدادية وكان عليه أن يسرع لأن كل ملفات الطلبة قد أرسلت من قبل إلى الجهة المعنية في سينلوي بالسينغال آنذاك،وفعلا وصل ملفي إلى الأكاديمية التعليمية هناك وشاركت في الامتحان ونجحت في الأوائل والحمد لله.
التحقت بإعدادية روصووكانت أول سنة دراسية لي فيها1959-1960،واختزلت فيها سنة من الدراسة المقررة،ومن بعد درست في الثانوية الوطنية في نواكشوط عند إنشائها في عامها الأول سنة 1963، وكنت في أول دفعة طلابية تلتحق بها بعد الإعدادية،وفيها نلت شهادة الباكلوريا عام 1965 شعبة الفلسفة،لأن التخصصات كانت ثلاثة فقط:الرياضيات والعلوم والفلسفة،والطريف أنني كنت أولا في شعبة الرياضيات ولكن لأن صديقي الحميم أحمد ولد الزين رحمه الله ،وجدو ولد السالك كانا يدرسان في قسم الفلسفة فقد انجذبت وتحولت إليهما، فقد كانا في بداية الانفتاح على الأفكار والقضايا العامة وفي تلك المرحلة كانت بداية مظاهر الوعي الوطني والحديث عن الثورة الجزائرية ،وكنا نقرأ الكتب الموجودة آنذاك ومنها نظريات ماركس ولينين ،والكتاب الفرنسيين في عصر التنوير مثل فولتير وجان جاك روسو وديدورو بعد ذلك، ومن أصدقاء الدراسة فيها الرائد جدو ولد السالك رحمه الله، وأحمد ولد الزين رحمه الله،والمصطفى ولد اخليفة وهو من منطقتي في تجكجه،ومحمد المختار ولد الزامل في الفصل الذي يلينا،وممد ولد أحمد،وهناك محمد يحظيه ولد ابريد الليل درس معنا في الإعدادية لكن بعد حصوله على"لبريفه"اختارسلك الصحافة وتوجه إلى فرنسا ،ومن الأصدقاء في الثانوية الوطنية أيضا عبد القادر ولد أحمد رحمه الله وقد سبقنا بعام،وعبد الرحمن ولد بوبو كذلك.
لقد بدأ الإحساس الوطني ينمو عندنا في فترة الدراسة الإعدادية،لكنه كان في ذروته بالثانوية الوطنية في نواكشوط ـالتي كانت تعج بالحراك السياسي والفكري الجديد الباحث عن كينونته وذاته،كانت ثقافة الرفض هي المسيطرة علينا في هذه الحقبة ،رفض الاستعمار رفض السلطة،رفض كل شيء،خاصة أننا كنا نرى الشعوب تنال الاستقلال عن المستعمر إما عن طريق الثورة الشعبية ،أوالحروب الطويلة،بينما كنا ننظر إلى استقلالنا نحن في موريتانيا كنمط خاص أو غير مفهوم في تلك الفترة المبكرة من شبابنا ونحن نواكب فيها إعلان هذا الحدث الوطني الكبير.
لم نكن حينها في درجة من الوعي السياسي كي نفهم أو نحيط بخلفيات وسياق هذا المنعطف التاريخي الهام،بين ماهو ممكن وماهو غير ممكن بالفعل،فقط ما كان يجذبنا في تلك المرحلة هو شعارات النضال والكفاح المسلح والمواجهة مع الآخر،وكنا نعتبر في هذا المجال أن استقلال بلدنا كان ناقصا لأنه لم يسر طويلا على هذا النهج، أو هكذا كان يخيل إلينا نحن الثوار الصغار وأول فوج من التلاميذ يدخل إلى الثانوية الوحيدة في البلاد مع بداية الاستقلال!
ظل هذا التصور المفعم بروح المعارضة والتحدي لكل شيء هو الذي يغشانا حتى بداية السبعينات،لتظهر حركة الكادحين التي كانت من أهم التيارات الوطنية التي أثرت جدا في توجهاتنا العامة بهذه الفترة، لما تبنته من قضايا ومطالب وطنية ملحة وازدادت فينا روح الرفض والممانعة أكثر وكأننا في تلك السنين الأولى من عمرنا نريد نيل استقلال جديد غير الذي نعيشه حلما يافعا على تلك الرمال الناعمة في واد غير ذي زرع عند شاطئ المحيط الأطلسي .
بعد أن نلت الباكلوريا كان هناك مايسمى البنك الفرنسي الإفريقي La bcao وكان ينظم كل سنتين مسابقة على مستوى دول المنظومة المصرفية الإفريقية،حيث كان الفرنك الفرنسي هو العملة المستخدمة من طرف موريتانيا وهذه الدول،وكانت هذه المسابقة تهدف إلى استقطاب أفضل الإطارات للبنك،كانت توجد في نواكشوط ممثلية لهذا البنك Bcao شاركت في هذه المسابقة ونجحت فيها وكنت أول موريتاني يتجاوز في هذا الامتحان الخاص بكوادر القطاع المصرفي في بلدان افريقيا الغربية،وكان الطلبة الناجحون يتوجهون لتلقي التكوين في معهد مونيتور التابع لرابطة دول
cao Instutu moniteur de la bcao في ابدجان بساحل العاج.
سافرت بالطائرة لأول مرة في حياتي،أنهيت التكوين المقرر هناك لمدة سنتين ونجحت في امتحان التخرج،كانت هذه طبعا أول صورة يلتقطها ذهني للخارج ،انبهرت جدا بمدينة أبدجان في منتصف الستينات وهي عاصمة كبيرة آنذاك وجميلة،رأيت أشياء لم أرها من قبل مثل الطرق المعبدة،كنت غريبا في هذا العالم الجديد ليس معي أحد من بني جلدتي يؤانسني خارج الوطن،اندمجت في الحياة اليومية مع الطلبة الأفارقة الذين جاؤوا معي إلى هذا المعهد من بلدان مختلفة،ولدي صداقات منذ هذه الفترة مع طلاب هذا المعهد الذين أصبح لبعضهم شأن هام في بلدانهم بعد ذلك، ومؤخرا زارني في نواكشوط منذ سنتين أحد هؤلاء الطلبة القدامى اسمه "اكوامنى" Cuiamene وهو من كديوار وهو الآن مدير نفس المعهد الذي كنا ندرس فيه معا بأبدجان!
رجعت إلى نواكشوط إذن بعد تخرجي من ساحل العاج والتحقت مباشرة بفرع البنك الفرنسي الإفريقي لأبدأ مشواري مع الوظيفة عام 1967 كان مدير البنك آنذاك فرنسيا وعينت أنا على الفور مديرا مساعدا له وعمري إحدى وعشرون سنة،كانت الحالة المادية جيدة بالنسبة للأوضاع السائدة آنذاك،أما نواكشوط فلم تكن سوى قرية صغيرة جدا أهمها حي لكصر الأول،والمدائن،وبلوكات ومباني حكومية قليلة،وأذكر أن المقر الحالي لإدارة الشرطة كان فندقا للنواب،هذا طبعا بالإضافة إلى قصر الرئاسة الذي هو غاية في البساطة بعيد من الشكل الحالي.
انهمكت في الحياة المهنية الجديدة،كان الاقتصاد الموريتاني بسيطا جدا،ولا توجد مؤسسات اقتصادية في البلد سوى البنك الفرنسي الإفريقي الذي صرت معاونا لمديره والمواطن الموريتاني الوحيد فيه،وفرع بنك آخر يدعى Byao وهو فرنسي،وفرع أيضا ل"سوسيته جنرال" فرنسي هو الآخر فقط.
كان هناك تجار قلائل يتعاملون مع هذه البنوك ويساهمون في الحركة التجارية وإنعاش الاقتصاد الوطني الناشئ،يعدون على رؤوس الأصابع أغلبهم لبنانيون والبقية موريتانيون في مقدمتهم اشريف ولد عبد الله وعبد الله ولد انويكظ وهما من أبرز المتعاملين مع هذه البنوك بتلك الفترة.
أمضيت في وظيفتي الجديدة بفرع البنك الفرنسي الافريقي في نواكشوط حوالي سنتين(من نهاية 1967- 1969) وكنت في شبه بحبوحة من العيش بالنظر إلى ما أشاهده حولي ،فقد اقتنى لي البنك سيارة خاصة وكان الراتب كبيرا بمقاييس تلك الفترة ،والغريب أنه كان أعلى من راتب رئيس الجمهورية الاستاذ المختار ولد داداه فقد كنت أتقاضى 300000 ثلاثمائة ألف افرنك افريقي أي ما ما قيمته 60000 أوقية ،وهو أعلى بكثير من راتب الرئيس الذي كان متميزا في تواضعه وبساطته ،فقد كانت سيارته الرسمية من نوع "دى شفو"موديل قديم،في حين كانت السيارة التي اشتراها لي البنك آنذاك من نوع"دى شفو"لكنها من الموديل الجديد،أما ظروف الوزراء ومسؤولي الحكومة ففي غاية البساطة أيضا .
قررت أن أترك هذا الترف الوظيفي و أن أبحث عن فرصة لاستكمال دراستي الجامعية،لم تكن لدي فكرة التكسب، استقلت من هذه الوظيفة من أجل مواصلة الدراسة من جديد فقد كان طموحي أن أن أتعلم أكثر عن الميدان المصرفي .
كان وزير التعليم في الحكومة يومها هو محمذن ولد باباه ،وأتذكر أنه كان من المشرفين على امتحاني في شهادة الدروس الإعدادية بلكوارب، وكان ينوي إرسالي إلى جامعة بيروت للدراسة فيها، لما لمسه من مستوى لي في اللغة العربية،غير أنني كنت أنتظر الحصول على شهادة الباكلوريا أولا.
تقدمت إلى وزير التعليم محمذن ولد باباه برسالة مكتوبة –بدون واسطة-أطلب فيها من معاليه الحصول على منحة دراسية في إحدى الجامعات بالخارج،وافق بسرعة جزاه الله خيرا على طلبي، حيث حصل لي على منحة في جامعة الجزائر.
في الجزائر كان معي طلبة موريتانيون منهم الحافظ ولد أحمد فال وهو من أصدقائي في مدينة تجكجة أثناء الدراسة الأولى،كان مبتعثا من شركة الخطوط الجوية الموريتانية لتلقي تكوين في الطيران، وكان معه في نفس المجال صديق آخر لي اسمه محمد ولد عبدي .
سجلت في الاقتصاد والقانون وبعد أربع سنوات(السنة الدراسية1969-1970 إلى سنة 1973) أنهيت المتريز في العلوم الاقتصادية Sience economique ونلت أيضا شهادة الدروس الجامعية العامة في الحقوق،وكانت الجامعة الجزائرية وقتها في نظامها القديم،كجامعة تخضع للنظام الأكاديمي الفرنسي ،قبل أن يتم تغيير مناهجها،حيث كان الأساتذة يأتوننا من فرنسا بالطائرة ليلقوا محاضراتهم كل أسبوع ثم يرجعون كانت تماما حينها مثل الجامعات الفرنسية من حيث النظم والأساتذة والشهادات.
في أواخر عام 1973 وأثناء تأديتي لامتحان التخرج قدمت إلى الجزائر بعثة موريتانية تضم كلا من السادة: أحمد ولد داداه والمصطفى ولد الشيخ محمدو ، وأحمد ولد الزين رحمه الله والمصطفى ولد اخليفة رحمه الله وجانغ بوبو فاربا، وكان هدفهم التدريب في البنك الوطني الجزائري من أجل إنشاء العملة الوطنية الجديدة الأوقية،ووضع اللبنات الأولى لقيام البنك المركزي الموريتاني،وهم جميعا أصدقاء دراسة في موريتانيا.
استدعاني السيد أحمد ولد داداه وأخبرني أنه محمل برسالة إلي من الرئيس المختار يطلب فيها مني الالتحاق بالبعثة والتدريب معهم في نفس المجال بالجزائروفعلا استجبت لأوامر فخامة الرئيس،والتحقت بهم في البنك الجزائري حيث كنا نتلقى خبرات ومعلومات من الإطارات الجزائرية المختصة لإنشاء أول نواة للاقتصاد الوطني وهي البنك المركزي الموريتاني على يد هذه الجماعة الأولى من الشباب وفي مقدمتهم أحمد ولد داداه.
كان التدريب سهلا علي فقد كنت في مستوى علمي مناسب للدخول في الميدان بالإضافة إلى خبرتي السابقة في فرع البنك الفرنسي الإفربقي بنواكشوط عام 1967 ،الملاحظة هنا هو أن قيادة البلد حينها كانت تبحث عن الكفاءات للمشاركة في عملية البناء والتنمية فلا آصرة اجتماعية أو خاصة تربطني بالرئيس المختار أو بأخيه أحمد ولد داداه وإنما يعرفان فقط أنني أدرس في هذا المجال،لا توجد واسطة أو معايير غير شفافة في تلك الفترة ،لم يأتهم والدي أو قريب لي يطلب تعييني أو الحصول على مكانة معينة في الدولة،كنت فقط الموريتاني الوحيد الذي يمتلك تكوينا في القطاع المصرفي آنذاك، ولذلك طلب الرئيس المختار ولد داداه أن أنضم إلى الفريق الأول الذي سيتولى إنشاء العملة الوطنية وقيام البنك المركزي الموريتاني.
في نهاية التكوين والدراسة بالجزائر عدنا جميعا إلى الوطن في يونيوعام 1973 ترافقنا بعثة من البنك الوطني الجزائري من أجل المساعدة في التأطير بعد سك العملة الوطنية الجديدة ،التي ستدخل السوق كمظهر حقيقي للاستقلال المالي عن فرنسا،وأخذنا في استبدال الفرنك بها في نفس البناية الحالية للبنك المركزي الموريتاني في الناحية القديمة.
توليت القطاع الفني بالمؤسسة الوليدة وهو المحاسبة العامة و العملة،وهكذا بدأنا العمل لترسيخ دعائم دولة الاستقلال ماليا واقتصاديا في ظروف لا تخلو من صعوبة ،وفي ظل نقص كبير في الطاقات البشرية المؤهلة لكن الإرادة والعزيمة كانت تدفعنا نحو الأمام.
كانت مجموعة العمل الأولى في البنك المركزي الموريتاني رائدة في الإخلاص والجدية تتكون من محافظ البنك المؤسس أحمد ولد داداه،والمصطفى ولد الشيخ محمدو محافظ مساعد، وشخصي أنا كمدير للحسابات العامة و العملة ،وأحمد ولد الزين مديرا عاما للقروض،والمصطفى ولد اخليفة مديرا للشؤون الإدارية،وجان بوبو فاربا مدير عام للقطاع الخارجي ،هذا هو الفريق الأول المسير للبنك المركزي الموريتاني عند انطلاقته.
كانت جماعة في مستوى عال من الوطنية ومن المعرفة الفنية والنضج الأخلاقي،مقتنعة بدورها المنوط بها في العمل .
أمجاد: إذا طلبنا منكم شهادة عن المحافظ الأول أحمد ولد داداه الذي واكبتموه عن قرب في هذه المرحلة الحساسة من عمر الدولة الموريتانية ماذا تقولون؟
سيد احمد ولد ابنيجارة: واكبت أحمد ولدداداه سنوات طويلة في هذا المجال وأشهد له بالروح الوطنية،وأشهد له أيضا-رغم ما يقوله البعض عنه-بالتواضع في نطاق العمل،لا يوجد من هو أكثر منه تواضعا في اجتماعات ولقاءات العمل،كان فريق العمل مختارا بدقة في تلك الفترة،نخبة من الكفاءات،وأحمد ولد داداه نموذجها الأبرز،أشهد له أيضا في جانب أساسي بالنسبة لي فضلا عن وطنيته ونزاهته ،وهو أنه لم يكن يشعر أبدا أنه أخ للرئيس ولا يمكن لأحد أن يدعي ذلك أبدا ،ولو كان قد ظهر منه ضد ذلك افتراضا لما أمكنه النجاح في مهمته مع جيل متميز من الكفاءات الشابة،وتعرفون بأن هذه مسألة صعبة في بلادنا اليوم لأن الكل يستغل نفوذه خاصة إذا كانت له علاقة بالرئيس في جميع مراحل الدولة بعد ذلك.
كان أحمد ولد داداه واحدا من هذه الجماعة لا فضل فيها لأحد على أحد إلا بالتقوى أوالعمل الصالح في البنك.
كان يتقن العمل الذي يقوم به ولا يستحي أن يستشير الآخرين في أي موضوع أو يسألهم عن أية قضية،يحترم صلاحيات وخصوصيات الموظفين ولا يخاطبهم إلا بالتي هي أحسن دون تكبر ولا استعلاء . وهناك قصة أرويها للأمانة تعكس احترامي الشديد لشخص السيد أحمد ولد داداه ،فبعد انقلاب العاشر يوليو كان أحمد في السجن وكان قد باع منزلا عنده في نواكشوط قريب من ابلوكات للسفارة العراقية قبل وقوع الانقلاب بقليل ،لكن أطرافا في السلطة الجديدة حاولت منع الإجراءات المتعلقة بهذا الموضوع مع السفارة العراقية فرفضت كوزير للمالية هذا التعامل مع أحمد وأعطيت أوامري للبنك المركزي بتسوية الأمر سواء بالعملة الصعبة أوغيرها.
أمجاد: كيف كانت الأولويات بالنسبة لكم في البنك المركزي الموريتاني؟
سيد احمد ولد ابنيجارة: بدأنا أولا في إنشاء العملة الوطنية وتكوين البنية الهيكلية للبنك المركزي من إدارات وأقسام والتخطيط للاقتصاد الوطني بصفة عامة،فكما أشرت سابقا كان الاقتصاد المصرفي في موريتانيا الجديدة يقتصر على فرع البنك الفرنسي الإفريقي الذي كنت أعمل فيه بنواكشوط،وفرع من Bao أنشأناه نحن أولا باسم" بيما "وأصبح الآن بنك ولد انويكظ Bnm وفرع ل"سوسيته جنرال" أصبح فيما بعد Smb كان الاقتصاد المرتبط بالعملة الوطنية آنذاك بسيطا إلى أقصى درجة لأن رجال الأعمال كانوا قلائل ومن جهة أخرى يفتقدون إلى جهاز مصرفي يدعمهم ويتعامل معهم ويشجعهم على الاستثمار والمقاولات،وهكذا كنا أولا عاكفين ليل نهار لإنشاء بنية هذا الجهاز المصرفي الموريتاني،فقمنا بتأميم Bao وانتدبت أنا شخصيا لهذه المهمة، حيث كنت الإداري المنتدب لهذا الغرض مؤقتا بصلاحيات المدير العام ومجلس الإدارة من طرف البنك المركزي ،وأذكر أنه في بداية 1975 أصبح المصطفى ولد الشيخ محمدو وزيرا للإعلام في الحكومة، وكان محافظا مساعدا للبنك المركزي معنا ،فعينت أنا في محله،أممنا أيضا في هذه الفترة "سوسيته جنرال" حتى أصبحت كل هذه المؤسسات بنوكا وطنية، بعد مفاوضات مع الفرنسيين مكنتنا من ضبط كل هذه الأمور على ما يرام،وعيننا مدراء جدد لهذه البنوك ،كما أنشأنا مصرفا جديدا بالتعاون مع البنك العربي الإفريقي اسمه آنذاك "بام"البنك العربي الإفريقي في موريتانيا،أعتقد أنه أصبح فيما بعد يدعى البنك الموريتاني للتجارة الدولية الذي ترأسه المرحوم سيدي محمد عباس bmci وكان رئيس إدارة هذا البنك مصريا اسمه بهير أنسي،وكنت أنا معه رئيسا مساعدا في هذه الفترة،أسسنا أيضا البنك العربي الليبي الموريتاني"بالم" وهوالآن مصرف شنقيط،وكنت رئيسا لمجلس إدارته،كانت هذه الشبكة هي النواة الأولى للنظام المصرفي في البلاد بدعم فني من أطر البنك المركزي الموريتاني،وهنا بدأت نخبة من رجال الأعمال تتوجه لهذا النشاط في البلد وكانت تحصل منا على القروض لتوسيع أعمالها وخاصة أصحاب البنوك الناشئة،وفي سنوات قليلة ظهرت طبقة هامة من رجال الأعمال والمستثمرين الوطنيين بفضل هذه السياسة التشجيعية،كما تكونت أيضا سوق اقتصادية محلية بدأت تنمو شيئا فشيئا مع نمو كيان الدولة الجديد،وفي هذه الفترة تم تأميم شركة ميفرما ، بقرار وطني شجاع جسد مسار الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد الموريتاني الذي لم يكن يعول سوى على الثروات والكفاءات الوطنية وتلك هي الروح الحقيقية لمغزى الاستقلال وعدم التبعية للآخر الأجنبي.،وأصبحت تسمى الشركة الوطنية للصناعة والمعادن"اسنيم".
وبدأ الموريتانيون يستغلون بأنفسهم حقول مناجم الحديد في ازويرات وتحركت آلية الإنتاج بسواعد موريتانية،وكان أول مدير عام لهذه الشركة هو المهندس اسماعيل ولد أعمر ، كان البلد يشهد نهضة جديدة وهذه النهضة وجدت صداها على المستوى السياسي،فقد أخذت نخبة من الأطر والسياسيين المعارضين للمختار تراجع مواقفها القديمة على ضوء هذه التوجهات الحاسمة لتأكيد الاستقلال، ودخلوا في محيط من الثقة مع النظام،وشعرنا نحن جماعة البنك المركزي بالارتياح والحماس لسياسة المختار ولد داداه الاقتصادية والإصلاحية الشاملة،كنا نرى الأفق باسما أمام البلاد،لأن بداية ومنتصف السبعينات قبل الحرب كانت ثورة كبيرة في الحقيقة.
فيما يعني البنك المركزي كانت عنايتنا شديدة باستقطاب الكفاءات،كنت مشرفا على مركز تكوين إطارات البنك،الذي يمنحهم شهادة في الدراسات المصرفية وقد أنشأناه داخل البنك المركزي لهذا الغرض،كنت أدرس فيه كأستاذ،ولم نكن نقبل أحدا في هذا المركز إلا عن طريق مسابقة أشرف شخصيا عليها،كانت الترقية للموظفين تخضع لمعايير شفافة تعتمد على الدبلوم وعلى الأداء المهني المتميز لاغير،كنا سنويا نعطي نقاطا لأهم الموظفين في مجال الترقية حسب أسس واضحة يعرفها الجميع،لم يكن الجهل أو الوساطة أو القرابة من السلبيات التي يمكن أن تتسرب إلى قطاعنا آنذاك أبدا. . "أمجاد": نود أن نعرف كيف تشكلت العملة الوطنية في بداية السبعينات؟
سيد احمد ولد ابنيجارة: أولا الأمر يعود إلى قرار سياسي من الرئيس المختار ولد داداه رحمه الله،وحكومته فقد أعلنوا عن تأسيس البنك المركزي الموريتاني وعينوا أول محافظ له هو أحمد ولد داداه،وكلفوه باختيار فريق العمل المناسب،الذي تدرب أولا في الجزائر وتم سك أول عملة وطنية في مطبعة خاصة بالجزائر وعندما عاد هذا الفريق وكنت من ضمنه،قام بتوزيع هذه العملة الجديدة في المصارف المحلية والإشراف على دخولها في الدورة الاقتصادية للبلاد،بدل الفرنك الافريقي ،كانت مساعدة الجزائر لنا جيدة وأساسية في هذا المجال،لأن الدفعة الأولى من الأوقية كانت قادمة من المطبعة الجزائرية،وبقيت العملة الجديدة تسك في الجزائر إلى أن قامت حرب الصحراء حيث توجهنا إلى شريك آخر لأسباب معروفة وهذا الشريك كان في أروبا بألمانيا الغربية.
أعود لأجدد القول إن موريتانيا في هذه الفترة من السبعينات كانت في نهضة فريدة من نوعها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي،كان هناك استقرار ملموس في البلاد ،ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن كما يقول الشاعر المتنبي ،فقد دخلت البلاد فجأة في حرب الصحراء عام 1975 ،كان قرار الحرب مفاجئا للجميع ،وكان الموقف الرسمي المعروف هو أن الصحراء جزء تاريخي من موريتانيا وكان مطلبها الوحيد بخصوصها إما الاستقلال التام لها عن إسبانيا أو الانضمام إلى موريتانيا،وللعلم فقد تم تأسيس حركة البوليزاريو في نواكشوط، علي يد الولي ولد السيد تحت إشراف السلطات الموريتانية،وتعلمون أن خطاب الرئيس المختار ولد داداه بأطار عام 1958 ذكر فيه أن الصحراء امتداد تاريخي لموريتانيا،اذن انطلاق البوليزاريو في نواكشوط كان بمباركة من الرئيس المختار لأهداف سياسية واستيراتيجية،للمطالبة باستقلال الصحراء عن اسبانيا،والصورة الأخرى للبوليزاريو هي محمد عبد العزيز وجماعته التي درست في المغرب وكان يدعمها للمطالبة باستقلال الصحراء عن اسبانيا قبل مطالبته بها.
كنت في هذه الفترة بعيدا من المعترك السياسي لانشغالي بالتخطيط الاقتصادي والمصرفي في البنك المركزي، ولكن تسارعت الأحداث في المنطقة فمات فرانكو في اسبانيا، وقررت هذه الأخيرة الخروج من الصحراء الغربية،وقام المغرب بالمسيرة الخضراء واحتل أغلب أراضي الصحراء،وهنا اتفق الملك الحسن الثاني مع الرئيس المختار ولد داداه على أن تأخذ موريتانيا تيرس الغربية وعاصمتها الداخلة أو منطقة وادي الذهب،وينفرد المغرب بالساقية الحمراء،وهنا تحولت جماعة البوليزاريو التي كانت موالية لموريتانيا إلى الجزائر ورفضت هذا التقسيم وساندتها الجزائر ووقفت معها بقوة ،واشتعل فتيل الحرب، شيئا فشيئا أخذت البلاد تواجه آثار هذه الحرب الجديدة ككارثة حقيقية على جميع مستويات الدولة الناشئة ،التي لم تكمل بعد ربيعها الخامس عشر،وخاصة على المنشآت الاقتصادية الأساسية في الشمال حيث عمود التنمية ولهيب النار معا بين الأشقاء .
بدأ الأمل يتبخر والنهضة تتراجع وظهر العجز العسكري واضحا غير قادر أبدا على حسم الموقف،بالرغم من الأموال الكبيرة التي أنفقت عليه والمتدفقة من بعض الدول العربية والأجنبية الأخرى، خاصة من طرف المملكة العربية السعودية والإمارات والمغرب الذي كانت قواته تخوض معنا المعركة الميدانية ضد البوليزاريو ،فقد كان عدد القوات المغربية التي دخلت إلى موريتانيا لمساعدتنا آنذاك 15000 خمسة عشر ألف جندي مغربي مسلح،موزعين على النحو التالي:
3000 ثلاثة آلاف في نواذيبو،وأعداد أخرى أكثر في أطار وازويرات وبير ام اكرين وافديرك،وقد وقع الانقلاب على المختار ومجموع الجنود المغاربة كما قلت 15000 جندي على الأراضي الموريتانية أغلبهم في منطقة الشمال وخاصة ازويرات التي تضررت أكثر من غيرها بالحرب الكارثة.
عند قيام الحرب عام 1975 لم يكن عدد القوات المسلحة الموريتانية يتجاوز 600 ستمائة جندي،ليصل في ذروة الحرب إلى 1000 ألف جندي فقط،وأكثرية هؤلاء الجنود من سلك الحرس الوطني ولم يكن يومها مندمجا في النظام العسكري الداخلي للجيش ،كانوا مجموعات من الحرس القديم"سبلتيف" غير مؤهلة تماما من الناحية العسكرية،وقد قمت أثناء رئاستي للحكومة المدنية بداية الثمانينات بإصدار قانون إدماجهم كمؤسسة عسكرية، كانت وسائل جيشنا شحيحة جدا فقد كانوا يقاتلون بأسلحة قديمة جدا تعود لتاريخ الحرب العالمية الأولى مثل بنادق "ماس 36" و"موزير" و"سانتانا" تم شراؤها من اسبانيا،كانت مدرعة قديمة تعمل بالكازوال ،يلف دخانها السماء ويشاهد من مسافة بعيدة، بينما كانت البوليزاريو مسلحة تسليحا جيدا حتى سيارات"لاندكريزر" نوفو موديل،العابرة للصحراء كانت بحوزتهم آنذاك يذرعون بها تلك المناطق الوعرة جيئة وذهابا، ،ومحملة بالأسلحة الحديثة ،لم تكن موازين القوة متكافئة خاصة بالنسبة لطرفنا نحن الذي قرر سياسيا خوض هذه الحرب الخاسرة.
دمرت هذه الحرب بنية الاقتصاد الموريتاني نهائيا، وأذكر أنه في شهر مايو 1978 –شهرين قبل الانقلاب-عجزت الحكومة عن دفع رواتب الوحدات العسكرية المقاتلة وبعض عمال الدولة ،ولم يتم الخروج من هذا الموقف الخطير إلا بمساعدة مالية قدمها "هوفيت بونيه " رئيس ساحل العاج قدرها4 أربع مليارات فرنك افريقي أرسلها إلى نواكشوط في حقائب عبر الطائرة ،وهذه القضية ذكرها الرئيس المختار رحمه الله في كتابه"موريتانيا في مواجهة التحديات"،وأنا شخصيا كمحافظ مساعد للبنك المركزي الموريتاني حينها قمت بإرسال أحمد الطايع لاستلامها في المطار،وكان أحمد ولد داداه قد عين آنذاك وزيرا للمالية،وبالمناسبة فإن أحمد الطايع كان من أهم الإطارات التي واكبت إنشاء وقيام البنك المركزي الموريتاني،كان يشغل يومها وظيفة المفتش العام لصندوق البنك المركزي.
. كانت الوضعية المالية صعبة ولم يكن رصيد البنك المركزي في الخارج يكفي لتغطية ضماناته من الإيرادات لمدة أسبوع واحد.
كانت الحالة مزرية تماما.
" في هذه الفترة صرت محافظا عاما للبنك المركزي الموريتاني، خلفا لأحمد ولد داداه الذي أصبح وزيرا للمالية،في العام 1978 ،ولابد أن أعود هنا قليلا للوراء أيام كنت محافظا مساعدا للبنك المركزي وفي ظل التأثيرات السلبية للحرب على اقتصادنا الوطني منذ البداية تقدمت باستقالتي من هذا المنصب للرئيس المختار،فقد كنت متابعا للأمور عن كثب وأدرك أن كيان الدولة بات مهددا بالاندثار،ناقشت الوضع الاقتصادي أولا مع المحافظ أحمد ولد داداه، وكان يحس معي بخطورة الوضعية ومنفتحا لكنه كان مثلي أحد الكوادر الفنية التي تعي أن المسألة ذات بعد سياسي فقط،.
طلبت لأول مرة في حياتي لقاء مباشرا مع رئيس الجمهورية المختار ولد داداه عليه الرحمة والغفران،وقدمت إليه استقالتي على الفور،وشرحت له الأسباب الموضوعية من خلال دراسة شاملة عن الوضع الاقتصادي معززة بالأرقام والحالة الداخلية للبنك المركزي،حتى أنني قدمت إليه إحصائية عن الموتى يوميا من الجيش الوطني،وأشير إلى أنني أخبرت المحافظ أحمد ولد داداه بنيتي الاستقالة كما أطلعته بعد ذلك على فحوى اللقاء مع رئيس الجمهورية.
قلت للرئيس إنني مستقيل من مهامي رغم أنني لست وزيرا ولا عضوا في حزب الشعب ،ولكن لأن ضميري فقط يؤنبني على ما وصلت إليه الأوضاع المزرية في البلد بسبب هذه الحرب المدمرة،وأظن أن هذه من أوائل الاستقالات في تاريخ البلد ،لأن مبدأ الاستقالة من الوظيفة بقناعة من أصحابها ليس أمرا متعارفا عليه عند نخبنا الوطنية لأسباب قابلة للنقاش.
وأنا أرى أنه بدل أن تجامل الحاكم في السلطة ،ثم تظهر الخلاف معه بعد أن يغادرها يستحسن أن تقول له بإخلاص الرأي المناسب في الوقت المناسب ،وهذا لا يفسد للود قضية وإنما يساهم في احترام القيم والاخلاقيات ويقضي على ظاهرة النفاق والترحال السياسي معا ،خاصة إذا تعلق الأمر بقضايا مصيرية تهم مستقبل البلاد،
أعود إلى وصف لقائي الأول بالرئيس المختار،كان مكتب الرئيس قريبا مني في البنك المركزي، دخلت عليه بكل سهولة كان رجلا يتحلى بأخلاق رفيعة مستمدة من القيم الأصيلة للشعب الموريتاني ،وأولها التدين والتواضع الجم ،كنت أكن له كل التقدير كرئيس أولا وكشخص بمثابة الوالد ثانيا، كانت معارضتي للحرب تكمن في أسباب فنية ، فقد كنت مطلعا على تفاصيلها اليومية بواسطة صديقي الرائد جدو ولد السالك رحمه الله والذي كان يقيم معي أحيانا في البيت،وأذكر أنه في إحدى العمليات العسكرية التي شارك بها في "آوسرد" أصيب برصاصة بقيت مستقرة في رئته بعد ذلك قريبة جدا من قلبه، وقد سعيت إلى علاجه في فرنسا لكنني لم أحصل على تجاوب سريع ،وكنت غير مرتاح لبقائه في هذه الوضعية، إلى أن التقيت بالرئيس وأنا أحمل إليه استقالتي ،فانتهزت الفرصة وطلبت منه أن يأمر بعلاج جدو ولد السالك،وعلى الفور استجاب جزاه الله خيرا ورفع السماعة في مكتبه البسيط وأعطى الأوامر لقدوم طائرة كي تقله إلى المستشفى العسكري بباريس،وقام وزير المالية أحمد ولد داداه مشكورا بكل الإجراءات اللازمة لهذا الأمر،وكان يسعى معي من قبل كي يتعالج جدو ولد السالك رحمه الله.
لكن الرئيس الراحل وإن قبل طلبي بعلاج جدو، فإنه لم يقبل طلب استقالتي،رغم أنني شرحت له كل الأسباب الموضوعية في رأيي وأولها أن الحرب جاءت على الأخضر واليابس ،وأن شعار الشعب الموريتاني والصحراوي شعب واحد ،أصبح بلا معنى بفعل الحرب التي تأكل أبناءه، إن الواقع يشبه حربا أهلية بين الأشقاء ،تغذيها النعرات الاجتماعية،وأصبحت الشكوك موجودة حتى داخل صفوف الجيش والمواطنين هذا مع البوليزاريو وهذا ضدها،وقبيلة نصفها هنا وهناك،والنسيج الاجتماعي مهدد بتداعيات هذه الحرب بين عبس وذبيان.
كنا لوحدنا في مكتب الرئيس وكان فخامته يصغي إلي بشكل جيد إلى أن انتهيت، فقال الرئيس:بالنسبة لاستقالتك أنا أعتبر نفسي بمثابة والدكم محمد السالك ولد ابنيجارة،ولا يمكن أن ترفض لي أي أمر ،قالها بهذا الأسلوب الأبوي والمتواضع أيضا،واستقالتك أنا لا أقبل بها،وما قلته في حرب الصحراء صحيح كله لكنه قرار تم اتخاذه وسوف نمضي به إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
خرجت من لقاء الرئيس ممتثلا لما قال بخصوص رفض الاستقالة لكنني قلت له هكذا فيما يتعلق برفض إيقاف الحرب:إن شاء الله يحصل خير!
وبدأت أفكر من حينها في طريقة أخرى لإنقاذ الوضع المتدهور في البلاد،وأخذت في إعداد خطة للتغيير الهادئ مع بعض الشخصيات العسكرية والمدنية أولها جدو ولد السالك لأنه كان مؤتمنا وأخا حميما بالنسبة لي ويقيم معي في المنزل باستمرار،وهوقائد منطقة عسكرية أساسية في تلك الفترة في آوسرد بالشمال كان زميلي في الدراسة بالثانوية الوطنية بنواكشوط، كما كان عسكريا من طراز رفيع درس وتخرج في فرنسا،بدأنا بسرية وحكمة معا خطة لتغيير النظام في شهر مايو 1978 ، اتصلنا بمحمد خونه ولد هيداله وكان قائدا للمنطقة العسكرية في ازويرات ،وأحمدو ولد عبد الله قائد المنطقة العسكرية في نواكشوط، المصطفى ولد ولاته،أضفناه بعد ذلك كان حينها مديرا لسونمكس واستمرت اتصالاتنا السرية إلى أن تمكنا من إشراك أغلب القادة العسكريين البارزين في هذا المسعى، ومنهم معاوية ولد سيد احمد الطايع وهو يومها القائد العام المساعد للقوات المسلحة ،وكان القادة العسكريون معي يعترضون على التنسيق معه أو إشعاره بالأمر لأنه لم يكن مختلطا بأحد وكان كتوما ولا يعرفون موقفه في النهاية ،غير أنني شخصيا أصررت على ضرورة إشراكه لاعتبارات كثيرة ،منها أنه أولا من أقدم الضباط والقائد المساعد للقوات المسلحة،وعندها طلبوا مني شخصيا أن أتولى المسؤولية في التنسيق معه وفعلا التقيت به،وكانت بيننا ثقة متبادلة أصلا .
تم التحضير للحركة من الجانب المدني والعسكري والعمومي أيضا،.
أما الجناح المدني الذي هيأ الأرضية السياسية وساهم في هذا التوجه فكان يضم عددا من الشخصيات الفاعلة بينهم من الكادحين الجناح المناوئ لحزب الشعب أعني جماعة المصطفى ولد بدر الدين،والبعثيين ، و أطروشخصيات أخرى من المجتمع التقليدي، كنت اجتمع بها في بيتي وتزورني باستمرارفي صيف 1978 منها: محمد يحظيه ولد ابريد الليل،محمد المختار ولد الزامل، المصطفى ولد بدر الدين،ممد ولد أحمد ،أحمد ولد الوافي ،محجوب ولد بيه،شيخنا ولد محمد لقظف،حمود ولد أحمدو رحمه الله عبد القادر كمرا .
وأود أن أذكر هنا للتاريخ أن هذه الحركة التي أعددت لها مع هذه الشخصيات،لم تكن هي أول محاولة انقلاب في البلد كما يعتقد الكثيرون،ففي عام 1966 وكنت حينها أدرس خارج البلاد،كانت الأحداث العرقية المعروفة غطاء لانقلاب في نواكشوط من طرف بعض الشخصيات داخل النظام وقد اطلع الرئيس المختار على المخطط قبل تنفيذه وقام بإقالتهم جميعا من وظائفهم ،كانت تفاصيل الانقلاب أن يتمكنوا من اعتقال الرئيس في بو تيليميت من خلال إنزال طائرته هناك،بدعوى أن الناس تتقاتل في نواكشوط ولأسباب أمنية لا يمكنه الهبوط في مطار نواكشوط وكان حينها قادما من زيارة للخارج.
حصل الرئيس المختار على كل المعلومات عن هذا الانقلاب ،وهو ما جعله يستدعي المصطفى ولد محمد السالك ويقوم بتعيينه قائدا أعلى للقوات المسلحة و قد قام ولد محمد السالك بالتصدي لأحداث 66 إلى أن تمكن من السيطرة عليها بهدوء.
وأذكر أيضا في هذا السياق أنه قبل قيام حرب الصحراء بسنة أي في عام 1974 ،راج كثيرا في نواكشوط وكنت يومها في البنك المركزي ، نبأ محاولة انقلابية أخرى ،تحدثت عنها السلطة في كواليسها الخاصة،وقامت على إثرها بإبعاد كبار ضباط الجيش من مهامهم مثل المصطفى ولد ولاتة، وأحمد ولد بوسيف رحمه الله، والضابط اسويدات رحمه الله، وأحمد سالم ولد سيدي رحمه الله ،وتحويلهم إلى وظائف مدنية حيث عين كل واحد من هؤلاء والي مساعد في مناطق مختلفة من البلاد! ولم يتم استدعاءهم للحقل العسكري إلا عندما قامت حرب الصحراء بعد ذلك.
أردت توضيح هذه الأمور –بعد أن ودعنا ولله الحمد زمن الانقلابات-لتصحيح المفهوم السائد بأن العاشر يوليو هو أول انقلاب في موريتانيا،في حين أنه كان جزء من حلقات مفقودة قبله لم تصل إلى السلطة.
قد تكون هناك محاولات غير هذه التي ذكرتها قبل 10 يوليو 1978 لكن الأمثلة التي ذكرتها هي التي وصلت أصداؤها إلى الرأي العام الوطني وتم تداول أخبارها في تلك الفترة أو على الأقل من طرف الاوساط المطلعة فيه.
وبخصوص انقلاب العاشر يوليو أؤكد لكم أن الرئيس المختار حصل على معلومات عنه قبل وقوعه ،وقد أشار إلى ذلك في مذكراته ، لكن فشله كان مستحيلا لكونه كان موضع إجماع في المؤسسة العسكرية ووراءه جناح مدني أيضا من أطياف وشرائح مختلفة في المجتمع ،لكن هناك قصة أخرى وتفسير آخر في نظري قد يكون وراء إحجام الرئيس المختار رحمه الله عن التصدي لحركة العاشر يوليو ،فقد كانت هناك معلومات أيضا عن وجود جماعة أخرى من داخل النظام تخطط بجدية للانقلاب عليه ،ونحن من طرفنا وصلتنا معلومات كافية عنها، وربما كانت مرتبطة بنفس الجماعة التي حاولت نفس الفكرة في عام 1966 أثناء أحداث الصدامات العرقية في المؤسسات التعليمية بنواكشوط.
وأنا شخصيا أذهب إلى أن المختار ولد داداه رحمه الله قد يكون اختار بطريقة أو بأخرى جماعة العاشر من يوليو كي تنفذ ما تريده على حساب الفئة الثانية التي حصل على معلومات عنها وهي تحضر لما تصبو إليه،
"أمجاد": ماهي في نظركم خلفيات الانقلاب المعاكس لكم ومن هم أبرز رجالاته؟
سيداحمد ولد ابنيجارة:
كان سائدا عند مخابرات الضباط في العاشر يوليو،أن الجماعة التي تقف وراء المحاولة الأخرى هي من الوسط الاجتماعي والعائلي القريب من الرئيس ،وربما كما أعتقد –يقول ولد ابنيجارة- اختار الرئس المختار هذا الجناح كي ينقلب عليه دون جناح ذوي القربى ،وهو مغزى الإشارة إلى علمه بالعاشر يوليو في كتابه، وهو رجل صدوق فيما يقول، لأن انقلاب العاشر يوليو كان قد نضج على نار هادئة فتركها الرئيس كي تخبو لوحدها دون الدخول في مواجهة غير محسوبة العواقب معها، قد تؤدي إلى حرب أهلية،اختار أب الأمة الموريتانية أن يضحي بالرئاسة لمصلحة البلاد وليس ذلك في نظري بغريب على رجل يمثل قمة في الوطنية كالرئيس الراحل المختار ولد داداه.
ليلة العاشر يوليو والمفاجأة التي لم تكن في الحسبان
و أريد هنا أن أتحدث عن بعض التفاصيل المتعلقة بخروج الرئيس المختار ولد داداه من القصر الرئاسي ليلة انقلاب العاشر يوليو ،والتي لا يعلمها أحد للأمانة، فلولا تدخلي شخصيا في آخر لحظة لكانت الأمور قد انفلتت من أيدي الضباط المنفذين للانقلاب وحدثت فوضى عارمة قد تهدد حياة الرئيس لاقدر الله في تلك الليلة الحاسمة.
لقد حدث عجز مفاجئ في قيادة الانقلاب ليلة العاشر من يوليو فيما يتعلق بالتوجه لقصر الرئاسة ، وكانت الوحدات العسكرية القادمة من الداخل بقيادة جدو ولد السالك قد تحركت نحو نواكشوط لتأمين الحركة، ولا يعرف أحد متى ستدخل العاصمة وكيف ستواجه الموقف المترتب عن العجز الطارئ في طريقة التعامل مع رئيس الجمهورية ليلة الانقلاب، إذ لم يتم الحصول على ضباط مستعدين في تلك الليلة لقبول تنفيذ الأوامر من القيادة بالتوجه إلى القصر الرئاسي واصطحاب الرئيس المختار إلى وجهة معينة خارجه،لقد حدث ارتباك وتردد مفاجئ كما قلت في حركة الانقلاب ليلة الحسم كاد أن يؤدي إلى فشلها في ظروف صعبة تعيشها البلاد جراء الحرب الطاحنة مع البوليزاريو.
لم يستجب الضابط مولاي هاشم رحمه الله لتعليمات القيادة العسكرية بخصوص التوجه إلى الرئيس المختار رحمه الله في القصر في إطار حركة الانقلاب ليلة العاشر يوليو 1978 ،وتسربت المعلومات إلى المكتب السياسي لحزب الشعب الموريتاني في اجتماعاته بوقوع انقلاب وشيك ،وأصبحت الحالة شبه خطيرة ،شعرت جماعة العاشر يوليو بالقلق وتوترت الأعصاب وبلغت القلوب الحناجر، وكان لابد من تصرف سريع لإنقاذ الموقف أو احتمال الدخول في حمام من الدم لا قدر الله .
لم يتم القيام بأي شيئ كما كان مقررا في ساعة معلومة بالعاصمة نواكشوط ،في حين تحركت الوحدات العسكرية من الداخل في إطار المهام الموكلة إليها،أصبح الرئيس المختار في خطر وكذلك نحن المشاركون في هذه العملية المغامرة.
كان الضابط الطيار كادير رحمه الله يحلق بطائرته في منطقة تيرس ولم يكن على علم بالانقلاب ،فاكتشف تحرك الوحدات العسكرية نحو نواكشوط ،راوده شك في محله فقام بالاتصال بقيادة أركان الجيش، ليجد القائد المساعد معاوية ولد سيد احمد الطايع على الخط، وكان حينها مكلفا بالعمليات العسكرية ،حيث استفسره عن طبيعة تحرك هذه الوحدات ليرد عليه معاوية بدهاء بأنها في مهمة عادية لتعقب وحدات من البوليزاريو في المنطقة وأمره بالنزول بطائرته في نواذيبو حتى يوم غد لمراقبة الوضع ، وهو ما فعله كادير مع أوامر من معاوية بتوقيفه هناك حتى ينجح الانقلاب في نواكشوط.
لما وصلت الأمور إلى هذا الحد من الارتباك والفوضى قمت شخصيا بالتدخل اتجاه مولاي هاشم وتدخلت بعد ذلك نحو الجماعة التي قامت بتأمين خروج الرئيس من القصر.
"أمجاد": كيف تدخلت اتجاه الضابط مولاي هاشم الذي كان رافضا للفكرة؟
سيداحمد ولد ابنيجارة:
اجتمعت به شخصيا وأقنعته بضرورة
القيام بهذه المهمة للحفاظ على حياة الرئيس ،و إخراج البلاد من الوضع الذي تعيش فيه أيضا واخترت له العناصر التي أثق فيها لمرافقته في أداء المهمة بهدوء واحترام للرئيس المختار ومقامه وسنه ـوالتي تؤتمن عليه في هذا الموقف العصيب.
وقد ذهبت بالرئيس وأنزلته في إقامة خاصة تم إعدادها في نواكشوط مع توفير كل الظروف المناسبة له،وهذا هو الجانب الأساسي بالنسبة لنا، ولما قرر العسكر أن يذهبوا به إلى ولاتة ، تدخلت وطلبت منهم أن يكون ابن عمي وهو ضابط في الجيش بالنعمة اسمه سيدي المختار ولد ابنيجارة مرافقا خاصا له في ولاتة، للإشراف على خدمته وهو ما تم بالفعل ،وقد تكلم عنه الرئيس المختار في كتابه أيضا،وهناك نقطة أخرى يجدر التنبيه إليها تتعلق بالرئيس المختار،فقد كانت نواة التفكير الأولى للعاشر يوليو تتكون من جماعة مدنية وضعت أولا تصورا واضحا لمصير الرئيس وأب الاستقلال،كما طرحت برنامجا محددا من ثلاث نقاط أساسية:
1-توقيف الحرب : إما بإجماع مع المغرب والجزائر والبوليزاريو،وإما بخروج موريتانيا لوحدها من الحرب
2-إنعاش الاقتصاد
3-تبني الديموقراطية كمنهج في الحكم
وفي ما يعني الرئيس المختار ولد داداه،اقترحنا أن نجد له إقامة هادئة في تونس مع الرئيس الحبيب بورقيبة،وهكذا سافرت أنا في سبتمبر إلى تونس للقاء بورقيبه وعرض الفكرة عليه ،كنت حينها وزيرا للمالية والتجارة لكنني كنت مندوبا عن اللجنة العسكرية في هذه القضية .
وصلت إلى تونس واستقبلني الحبيب بورقيبة وأظن أن التونسيين يهتمون بإرشيفهم وبالتالي قد يكون هذا اللقاء مسجلا عندهم ،وفي بداية الحديث قلت للرئيس بورقيبة رحمه الله:نحن في موريتانيا لدينا أبوان للأمة أحدهم المختار ولد داداه والآخر هو أنتم يا فخامة الرئيس ، بالنسية للمختار فقد دخلنا بقرار منه في أزمة حرب شكلت مأزقا لنا ،فقال لي بورقيبة على الفور لقد قلت له ذلك قلت له ذلك بصراحة، ونهيته عن مشكلة الصحراء –يضيف بورقيبة- ثم واصلت الحديث من جانبي بالقول إن الأب الثاني للأمة عندنا في موريتانيا هو فخامتكم يا سيادة الرئيس فأنتم وحدكم في العالم العربي من وقف معنا وآزرنا في نيل استقلالنا،واليوم جئتكم مندوبا عن السلطة الحالية في البلد لطلب الحصول على إقامة للرئيس المختار ولد داداه ،لأنكم أفضل من يؤتمن في هذه الظروف على صحته وراحته كبلد شقيق ومحترم، وقد لا تكون له رغبة في ممارسة السياسة أو ما من شأنه الإضرار بمصلحة بلده اليوم ،ولكن بقاؤه في نواكشوط قريبا من محيطه ووسطه السياسي رغم ثقتنا فيه، قد تجعله يتعرض إلى ضغوط أو تأثيرات من شأنها أن تزيد في توتر العلاقة معه ، ونحن في غنى عن ذلك احتراما له كأب للاستقلال والأمة الموريتانية،وبالتالي نرغب له في إقامة خاصة بتونس إلى جانبكم سيادة الرئيس، ولكن بشرط واحد وضروري لا تنازل عنه من طرفنا وهو أن تكون جميع المصاريف والتكاليف المادية المتعلقة بإقامته في تونس على حساب الدولة الموريتانية فقط.
هب بورقيبة من جلسته نحوي وضمني إليه وهو يقول بارك الله فيكم،بارك الله فيكم،ونادى على الفور لأحد الوزراء أمره بتجهيز أحد قصوره الخاصة ليكون مقرا لسكن وإقامة الرئيس المختار ولد داداه المرتقبة ونجحت المهمة التي جئت من أجلها والتي كان التفكير فيها من أولويات العاشر يوليو.
رجعت إلى نواكشوط حاملا للسلطات موافقة بورقيبة على استضافة صديقه الرئيس المختار وفق ما تحدثت معه بشأنه ،وعلى الفور أرسلنا جدو ولد السالك إلى الرئيس المختار في ولاتة لإبلاغه بالأمر وأخذ موافقته، حيث عرض عليه تفاصيل هذا الاقتراح ،فوافق الرئيس المختار مبدئيا على الفكرة إلا أنه حمله رسالة خطية إلى زوجته مريم داداه وكانت مقيمة في دكار حينها، يطلب رأيها في الموضوع قبل الإقدام عليه.
وللتنبيه ومما يعزز فرضية علم المختار ولد داداه بانقلاب 10 يوليو وعدم رغبته في مواجهته كما قال في كتابه،هو أنه قام أربعا وعشرين ساعة قبل بدء الانقلاب بتسفير كامل أسرته إلى دكار.
, حمل مبعوث خاص رسالة المختار إلى زوجته في دكار وهو ينتظر أيضا ردها المكتوب على الرسالة لحمله إلى الرئيس المختار في ولاتة,
بعد أن قرأت مريم داداه رسالة الزوج ردت عليه بجواب هو:
إما أن تذهب إلى باريس أو تبقى هناك في ولاتة! وللتاريخ أقول إن المختار كان يتلقى معاملة كريمة ومستحقة في ولاتة فقد تم بناء فيلا صغيرة كي تكون سكنا له هناك ،وقد تحدث هو عن هذه الظروف في كتابه،ومن زهده العجيب أنه لما كان رئيسا للجمهورية كانت ميزانية مصروفاته اليومية المقررة في الرئاسة 5000 خمسة آلاف أوقية فقط،وفي إقامته الاضطرارية بولاتة أمرت كوزير للمالية آنذاك تخصيص مبلغ 50000 خمسين ألف أوقية كمصاريف يومية للأمور المتعلقة به.
في نواكشوط ازداد التوتر الداخلي في صفوف السلطة الجديدة وبدأ رأس السمكة يفسد كما يقال، نحن أيضا قيادتنا بدأت تعاني من الخلافات والمشاكل،وبدأت الجماعة الأصلية للحكم تتفكك،والانقلابات المعاكسة تحضر وكأنها كانت نائمة فقط بعين واحدة.
في ظل هذه الأوضاع المتوترة داخل السلطة الجديدة بعد الانقلاب على الرئيس المختار،غادرت شخصيا جماعة الحكم في ذلك الوقت بعد تسعة أشهر كنت فيها وزيرا للمالية والتجارة استقلت من الحكومة ونأيت بنفسي عن أية مسؤولية مباشرة.
كما استقال معي أيضا من الحكومة معاوية ولد سيد احمد الطايع وكان وزيرا للدفاع و أنا الذي قمت بتعيينه في هذا المنصب لأنهم كلفوني بصفة شخصية بعد العاشر يوليو بتشكيل الحكومة وأن أتولى بنفسي حقيبة المالية والاقتصاد،واستقال معي أيضا محمد يحظيه ولد ابريد الليل الذي كان وزيرا للإعلام، وجدو ولد السالك الذي اقترحته وزيرا للداخلية،ومن الذين اقترحتهم أيضا محمد خونة ولد هيدالة اقترحته قائدا لأركان الجيش،وأحمدو ولد عبد الله قائدا مساعدا له .
المهم الجماعة التي انسحبت معي من الحكومة بالتحديد هي :معاوية،وولد ابريد الليل ،وجدو ولد السالك بعد ما وقع من طرف المصطفى ولد محمد السالك وعدم وضوح الكثير من القضايا والأمور اختلفنا في تقييمها وتناولها.
أصبح هنالك عجز لدى القيادة السياسية في البلاد وبدأت تظهر خطط جماعة 6 ابريل التي نفذتها بعد ذلك، وهي أحمد ولد بوسيف وكادير،كان يعوقهم فقط وجود جماعتنا نحن،قامت هذه الحركة بنزع الصلاحيات التنفيذية للجنة العسكرية من الرئيس المصطفى ولد محمد السالك،بعد أسبوع واحد من ذهابنا عنه،أصبحت كل السلطات الجديدة بيد أحمد ولد بوسيف رحمه الله، وكانت كل هذه الأحداث السريعة والمتوالية"تخبيزة" كبيرة كما يقال بالحسانية،وتوفي بعد ذلك أحمد ولد بوسيف ،وتولى السلطات التنفيذية بعده محمد خونه ولد هيدالة،وذهب المصطفى ولد محمد السالك وحل مكانه ولد لولي، وطوال كل هذه الفترة لم أكن أشغل أية وظيفة ،لكن عندما جاء هيدالة إلى رأس السلطة عينني في البداية واليا على منطقة نواذيبو،وأمضيت شهورا هناك إلى أن قدمت له استقالتي لخلاف حول طريقة معالجة قضايا محلية هناك،ثم رجعت مرة ثانية إلى الواجهة الرسمية بعد أن اجتمعت اللجنة العسكرية وقررت إسناد المسؤوليات التنفيذية إلى حكومة مدنية حيث تم استدعائي من نواذيبو بعد أن انتخبت من طرف أعضاء اللجنة العسكرية كي أترأس أول حكومة مدنية بعد انقلاب العاشر يوليو،وكنت أمتلك جميع الصلاحيات التنفيذية التي كانت ممنوحة في السابق لرئيس اللجنة العسكرية وكنت منتخبا كما قلت من مجموع الأعضاء ولم أكن معينا من طرف شخص رئيسها آنذاك محمد خونة ولد هيدالة كما قد يظن البعض،كنت رئيسا للحكومة بكامل الصلاحيات التي تحددها المادة القانونية التي بموجبها أسندت المهام التنفيذية لولد بوسيف وولد هيدالة،وتسمى ميثاق اللجنة العسكرية،هذه الأخيرة التي كانت بمثابة البرلمان ،بينما كان رئيس الحكومة المدنية منتخبا من قبلها بكامل السلطات في التعيينات والمهام التنفيذية الأخرى.
"أمجاد": ما هي أهم القرارات أو الانجازات التي ميزت مسيرة سيداحمد ولد ابنيجارة سواء كرئيس للحكومة أو في الوظائف المختلفة التي مر بها؟
سيد احمد ولد ابنيجارة:
أولا فترتي في البنك المركزي كانت قصيرة ولكن من أهم القرارات التي اتخذتها في هذه الفترة قرار يتعلق بحماية العمال الموريتانيين المهاجرين في اروبا،والمنمين الموريتانيين الذين يسوقون حيواناتهم في الدول الافريقية المجاورة،حيث حددنا لهم سعرا ثابتا للصرف لا يتغير،مثلا يجدون مقابل الفرنك الافريقي 10 أوقية رسميا،بينما إذا ذهبوا للسوق السوداء لا يحصلون إلا على 5 أوقية مثلا وفعلا آتت هذه السياسة الاقتصادية أكلها ،فقد لاحظنا أن الأموال التي يبعث بها المغتربون إلى أهاليهم تضاعفت داخل الوطن في سيلبابي وغوغول ومناطق الحوضين أيضا حيث نشطت حركة تصدير الماشية والأموال المترتبة عنها مما جعلنا نقوم آنذاك بفتح فرع للبنك المركزي الموريتاني في النعمة وفتحنا فرعا آخر في كيهيدي،ولو توبعت هذه السياسة بعد ذلك لكانت النتائج أفضل بكثير مما هي عليه الآن،و عندما أصبحت رئيسا للحكومة سنة 1981 دخلت في مفاوضات مع ليبيا من أجل تشغيل مطار النعمة ،عرضت على الليبيين توقيع اتفاقيات تمكنهم من استيراد الماشية عبر حملها في طائرات كبيرة من مطار النعمة بعد تشغيله وبناء مثلجات لللحوم في المطاربالنسبة للحيوان المسلوخ محليا قبل تصديره وكان هذا المشروع مهما للغاية غير أنه لم يتابع مع الجانب الليبي الذي أعرب وقتها عن استعداده للفكرة .
تلاحقت الأحداث من حولي بشكل سريع،وجاء انقلاب 78 ،ليطلب مني تولي وزارة المالية والتجارة لأن الحالة الاقتصادية كانت متدهورة، وهنا بدأت جملة من الإصلاحات ،منها أولا وضع هيكلة داخلية لوزارة المالية وهي نفس الهيكلة الحالية للوزارة لم يتغير فيها شيئ،قمت بإنشاء أهم الإدارات المركزية فيها ويوجد توقيعي على النظام الداخلي للوزارة Organigrame وبعد ثلاثين عاما ما زال نفس الهيكل قائما وقد تعاقب عليه أكثر من ستين وزيرا للمالية .
أذكر أنه لم تكن هناك إدارة للميزانية،والخزانة العامة كانت مجرد مصلحة عادية ولم تكن إدارة،قررت أيضا في هذه الهيكلة الجديدة إنشاء الإدارة الحالية التي تسمى إدارة العقارات وممتلكات الدولة،حصلنا أيضا في هذه الفترة على الكثير من المساعدات والتمويلات الأجنبية ساهمت في تحسين الأوضاع،وأهم قطاع ركزنا عليه كان قطاع الصيد لانه لم يكن موجودا كبنية مؤسسية كان خارج الدورة الاقتصادية للبلاد ولم يكن هناك موريتانيون يعملون فيه كانت هناك فقط شركتان في هذا القطاع واحدة تسمى"سوميب"والأخرى تدعى"سوماب"يملكهما فرنسي اسمه "جلفي" كانت مردودية هذا القطاع على الخزينة الموريتانية ضئيلة جدا ولا زلت أذكر الرقم بالتحديد وهو ثلاثون مليون أوقية فقط بدأنا نولي أهمية لهذا القطاع فأنشأنا مؤسسة رأس مالها عشرون مليون دولار بالتعاون مع ليبيا ،أنشأنا شركة أخرى مع الجزائر بنفس رأس المال ،وأنشأنا شركة أخرى مع العراق بنفس رأس المال أيضا، وواحدة مع الكويت ووضعنا أسس شراكة مع تونس في هذا الإطار أعتقد أنها تحققت بعد ذلك بسنوات في حكومات أخرى، وهناك سياسة جديدة قمنا بها في هذا الجانب وهي إشراك القطاع الخاص الموريتاني في الاستثمار البحري والصيد لأول مرة فانفتح المجال، أمام دخول رجال الأعمال قانونيا ،وأصبحت رخص الصيد متاحة أمام كل من تتوفر فيه شروط المساهمة في النهوض بهذه الثروة الوطنية ،وهكذا أقبل رجال أعمالنا في هذه الفترة على شراء البواخر واستئجارها واستفادوا كثيرا من أرباح هذ ا العمل وازدادت أيضا مداخيل الخزينة العمومية من عائدات الصيد والنشاط الجديد فيه والذي أصبح يحمل مواصفات القطاع الوطني بعد أن كان ارتياده حكرا على أجانب قلائل يستنزفونه استنزافا.
تابعت وأشرفت على هذه الإصلاحات أيام كنت وزيرا للمالية والتجارة،وأعطيتها عناية قصوى لما صرت رئيسا للحكومة في العام 1981 حيث اتخذت أيضا عند قرارات أخرى منها مضاعفة رواتب المعلمين وكانت متدنية جدا حينها،وأعطيناهم الأولوية في السكن الحكومي..
. وللإشارة كان القطاع المنجمي في حالة تدمير تماما بسبب الحرب فيما يعني اسنيم وبسبب سوء التسيير فيما يعني سوميما،كانت مشكلة اسنيم مطروحة عندنا بإلحاح وكان الأفق الوحيد لإنقاذها هو مشروع"الكلابه" الذي ما زال قائما ،كان البنك الدولي وهيئات غربية أخرى بصدد تمويله قبل أن تندلع الحرب وتتراجع هذه الجهات ويتوقف المشروع،وبعد الانقلاب أبدى هؤلاء الممولون بعض الاهتمام بالمشروع لكنه لم يكن مصحوبا بجهد مالي ملموس،وفي اتصالاتي معهم كوزير للمالية آنذاك قلت لممثلي البنك الدولي في اجتماع حاسم :نحن تهمنا أولا صداقتكم وخبراتكم الفنية ،وتأطيركم وتدريبكم لإطاراتنا نريد أن نستفيد من كل ذلك،أما فيما يعني المال فنحن في موريتانيا جزء بسيط من محيط لديه فائض كبير في الأموال هو العالم العربي،فقط نطلب منكم تقدير التكاليف المادية للمشروع ونحن سنتولى تدبيرها عند الإخوة العرب،وهذا لا ينقص من قيمتكم عندنا فأنتم شركاؤنا من حيث الخبرة الفنية لكن لا نريد منكم تمويلا،وكان لهذا الخطاب صداه الخاص في نفوس الغربيين وفهموا ماهو مقصود منه.
قررنا فتح رأسمال الشركة الوطنية للصناعة والمعادن"اسنيم"أمام الشركاء العرب بنسبة29% واحتفظت الدولة الموريتانية ب71%،استجابت الدول العربية للاستثمار في مشروع "الكلابه"100% وأخذت نسبة 29 % من رأسمال اسنيم وهو ما يباهز600 مليون دولار.
"أمجاد": كيف تمكنتم من جمع هذه التمويلات العربية؟
سيد احمد ولد ابنيجارة:
باعتباري وزيرا للمالية والتجارة ومبعوثا من طرف الحكومة الموريتانية آنذاك قمت بجولة شملت العراق و المملكة المغربية،والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت،وليبيا ،وتجاوب الأشقاء العرب مع تطلعاتنا في هذا المجال .
"أمجاد": كيف كان لقاؤكم مع الملك الحسن الثاني؟
سيدي احمد ولد ابنيجارة:
استقبلني الملك الحسن الثاني رحمه الله بحفاوة بالغة،قلت له في البداية إننا تلقينا الكثير من المساعدات العربية في اطار العجز المالي الذي كان سائدا بسبب الحرب،وقد تحسنت الأوضاع ولله الحمد ،لكننا بالطبع لا نرغب في تجاوز المغرب في كل مامن شأنه دعم الاقتصاد الموريتاني ،وبالتالي فإنه بالنسبة لنا عنصر أساسي في هذه المشاركة العربية من أجل التنمية في بلادنا.وعلى الفور نادى جلالته رحمه الله لأحد وزرائه المعنيين وأمره بتقديم عون كبير لموريتانيا،وفي هذا السياق ذكرت له أننا فتحنا رأسمال "اسنيم" أمام الشركاء العرب ،وأنني أستأذنه في وضع جزء من هذا العون السخي الذي تفضل به جلالته كمساهمة باسم المغرب في رأس مال "اسنيم"فوافق على التو، وقد أعطى الملك الحسن اهتماما خاصا بدفع العلاقات بين البلدين وجعلها في المستوى المناسب ،وكلفتة طيبة منه لتجسيد هذا التوجه من طرف المغرب أمر أن أعود والوفد الموريتاني المرافق لي في طائرته الملكية الخاصة وكانت من طراز الطائرات الفخمة للرؤساء في فرنسا وفعلا وصلنا على متنها إلى نواكشوط،وكنت عند قدومي للرباط مسافرا في رحلة عادية عبر الخطوط الجوية،وحقيقة كان موقفا نبيلا من جلالته.
"أمجاد": التقيتم أيضا بالرئيس العراقي صدام حسين كيف كانت مجريات اللقاء الأول به وكذلك ببقية الزعماء العرب؟
سيد احمد ولد ابنيجارة: التقيت بصدام حسين ثلاث مرات الأولى كانت في الطائف على هامش أعمال قمة المؤتمر الإسلامي عام 1981 وكنت رئيسا حينها للحكومة كان رجلا قوميا وأبدى استعداد العراق لدعم موريتانيا وفي اجتماعي به عرضت له صورة عن مجالات التعاون الأولوية بالنسبة لنا وخاصة في الدفاع والصيد والصحة والتعليم والإعلام كما ناقشت معه قضية Lomvs منظمة استثمار نهر السينغال وكان معي في الوفد المرافق مفوضها الإقليمي آنذاك وهو المختار ولد هيبه-نحن نقول له الشيباني ولد هيبه لأنه من منطقتنا في تجكجه وهو اسمه العائلي وهو صديق لي و أخ حميم -زارني في نواكشوط قبل السفر إلى قمة الطائف وقال لي إن لديهم مشاكل في المنظمة فقلت له تعال معي في الوفد وسنبحث لها عن حلول وفي لقائي بصدام حسين ناقشت معه هذا الموضوع ،حيث بينت له أهمية هذه المنظمة ودور موريتانيا فيها وأنها بمثابة مدخل عربي إلى افريقيا جنوب الصحراء ،وجسر هام للتواصل بين الثقافات والتبادل بين شعوب المنطقة من أجل التنمية والسلام والعيش المشترك بين الجيران.وفي نفس الجلسة أمر صدام حسين بتقديم عون ثمين لهذه المنظمة التي تترأسها موريتانيا آنذاك،بل إنه تكفل في هذا اللقاء بدعم أهم مشروع للمنظمة وهو مشروع آفطوط الساحلي وكان في تلك الفترة مشروعا ضخما في المنطقة يختلف عن صورته الحالية: وأعتقد أن التطورات الداخلية في موريتانيا بعد ذلك وعدم التنسيق من جديد مع العراق قضت على ذلك الحلم العربي الوليد على الضفة فقد كان العراق مستعدا تماما للمضي في هذا المشروع الكبير. والذي شبه المشروع الذي قامت به السينغال في استغلال المياه على الضفة الأخرى.
وفي نفس اللقاء طرحنا عليه مشروع إنشاء التلفزة الموريتانية فوافق على تبنيه ودعمه وفعلا تم ذلك بسرعة وكان معي أثناء الحديث في هذا الموضوع مع صدام وزير الخارجية محمد المختار ولد الزامل،وكذلك ساعدنا في دعم مشروع جامعة نواكشوط وهو من انجازات الحكومة المدنية التي ترأستها عام 81 وأنا الذي وقعت مرسوم إنشائها فليس من المعقول أن نبقى بلا جامعة وطنية مهما كانت الظروف والتحديات،لأننا أنشأنا دولة من العدم فعلينا أن ننشئ جامعة كذلك!
ومن الملفات التي عرضناها أيضا المستشفى العسكري في نواكشوط،وهوالموجود حاليا في لكصر ويسميه البعض "طب العراق"،ومشروع للهندسة العسكرية ،ومستشفى في توجنين،كان سيرى النور
أثمر اللقاء مع صدام حسين عن الكثير من النتائج الإيجابية ففي مجال الدفاع كان الجيش الموريتاني يعاني من نقص كبير في المعدات العسكرية الأساسية ،وهنا كانت أول مساعدة من الأسلحة هي التي وصلتنا من العراق،وكانت عبارة عن عشرة آلاف قطعة سلاح من نوع كلاشنيكوف وكانت تدخل البلاد لأول مرة لأن الجندي الموريتاني لم يكن يعرف من البنادق سوى تلك القديمة جدا مثل "موزير" و"36". استجاب صدام لكل طلباتنا،وهنا خاطبته قائلا السيد الرئيس ‘ن الكرم العربي يقال إنه شجر في الجنة ،ونحن في موريتانيا نريد أن يكون لنا نصيبنا من الكرم والعروبة ونريد دعم إخواننا من الجنود العراقيين في الحرب ،ليس عندنا نفط نمدكم به ،لكننا نضع شاطئنا السمكية تحت تصرفكم في أي وقت ،بعد ذلك جاءتنا سفينتان كبيرتان من العراق وتم الترخيص لها بالصيد وحملت معها آلاف الاطنان من السمك هدية من موريتانيا للعراق.
شيك بقيمة سبعة عشر مليون دولار هدية من صدام حسين باسمي
الغريب أن صدام حسين بعد هذا الموقف الموريتاني أرسل إي هدية عبارة عن شيك باسمي شخصيا بقيمة 17000000 سبعة عشر مليون دولار ،قمت باستدعاء محافظ البنك المركزي جانك ببو فاربا وأعددنا الملف الكامل وتم وضع المبلغ كاملا في حساب الخزينة العمومية.
لم يبخل علينا الإخوة العرب بتقديم يد المساعدة ،وقد التقيت بأهم القادة العرب آنذاك وكانوا يريدون لموريتانيا كل الخير وساهموا في تنميتها الاقتصادية وحل الكثير من المشاكل ومن الذين اجتمعت بهم ولا أزال أذكرهم بكل خير الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله ملك المملكة العربية السعودية وأمير الكويت رحمه الله والشيخ زايد بن سلطان آل انهيان رحمه الله رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة،وكان وراء قرار استقدام أول دفعة من الشرطة الموريتانية للعمل في الإمارات بعد لقائي به كرئيس للحكومة الموريتانية عام1981 ،وازداد التعاون بين موريتانيا والإمارات بشكل مضطرد إلى الآن.
، كما التقيت بالزعيم معمر القذافي،الذي دعوته لزيارة نواكشوط بصفتي رئيسا للحكومة الموريتانية عام 1981 وفعلا لبى الدعوة وكانت هي الزيارة الثانية له لأن الأولى كانت في السبعينات بدعوة من الرئيس المختار ولد داداه،والثالثة كانت في العام الماضي بدعوة من الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز.
"أمجاد":
هل تذكرون أهم الأطر الشابة التي قمتم بتعيينها خاصة في البنك المركزي وأبرز معاونيكم في الإصلاحات التي قمتم بها؟
سيد احمد ولد ابنيجارة:
كثيرون منهم في البنك المركزي محمد سالم ولد لكحل وجانغ بوبو فاربا وهو من جيلي،أما الذين قمت بتعيينهم في مختلف المناصب وعبرمراحل مختلفة فهم كثرمنهم مسعود ولد بلخير حيث كنت أول من عينه في وظيفة إدارية واليا في كيهيدي،بداية الثمانينات،وسيدي ولد احمد ديه واليا في لعصابة، ولا داعي لاستعراض الأسماء فلا فضل لي عليهم وإنما كانوا يخدمون وطنهم فقط ،وكنت أرى أنهم كفاءات تستحق الثقة والمسؤولية معا والله أعلم.
"أمجاد":
قلتم إنه عندما جاءت حركة العاشر يوليو وضعت لنفسها ثلاثة أهداف رئيسية فقط ،هل تحققت هذه الأهداف بالكامل؟
سيد احمد ولد ابنيجارة:
الهدف الأول كان إيقاف الحرب وتحقق ،والهدف الثاني كان إنعاش الاقتصاد وأعتقد أننا بذلنا جهودا لا بأس بها في هذا المجال مكنت من حل العديد من المشاكل إعادة التوازن نسبيا،أما الهدف الأخير وهو الديموقراطية فأعترف لكم أننا فشلنا فيه رغم أننا بدأنا في البداية بعض الخطوات التجريبية حبث وضعنا مشروع دستور جديد ومنا بصدد الاستفتاء عليه،وبعده ننظم انتخابات عامة،في إطارمن التعددية الحزبية والسياسية ينص عليها الدستور، وكان هذا يتم بالتنسيق مع اللجنة العسكرية وأصحاب الرأي في البلد،وفجأة حدثت المحاولة الانقلابية الدامية يوم 16 مارس 1981 ، وكانت هزة كبيرة جعلت العسكريين يسترجعون السلطة التنفيذية من الحكومة المدنية ويتشبثون بالحكم وضاعت فرصة الأمل الديموقراطي الذي كنا ننسج خيوطه بحكمة ودون استفزاز للجيش ليبقى هذا الأخير يتصارع على الحكم في دوامة من الانقلابات والانقلابات المضادة لم تقد إلى تحقيق الاستقرار والتنمية في البلاد مهما كانت الظروف والمبررات.
وهكذا توقفت الإرهاصات الأولى للمسار الديموقراطي الذي كان من ضمن أهدافنا المعلنة عشية العاشر يوليو.
أمسك الجيش نهائيا بالسلطة واسترجع
هيدالة الحكم بصلاحيات كاملة وعين معاوية ولد الطايع وزيرا أول ولكن بدون المهام التنفيذية الواسعة التي كانت ممنوحة لرئيس الوزراء في الحكومة المدنية السابقة،
دخلت اللجنة العسكرية في تجاذبات داخلية بين أعضائها،وكان هيدالة قد قام بزجي في السجن الذي أمضيت فيه ثلاث سنوات سنة ونصف في اجريدة وسنتان في بير ام اكرين صحبة المصطفى ولد محمد السالك وبحام ولد محمد لقظف ،مع أن أغلب الموريتانيين تحولوا إلى سجناء في تلك الظروف السياسية المعقدة والتي هي نتاج طبيعي في نظري لغياب الديموقراطية وسيطرة حكم الفرد الواحد على الدولة وهو مافشلنا في تجاوزه من بين الأهداف المرسومة لحركة العاشر يوليو ،لقد أدركنا أنه من السهل أن تنفذ انقلابا على رئيس الجمهورية لكنه قد لا يكون من السهل أن تدفع ثمن ذلك من أجل الوطن.
في اجريدة كنت في ظروف خطيرة جدا لقد حفروا لي قبرا في داخل السجن كنت أظل واقفا فيه طوال اليوم،مساحته 90 سنتمتر،لا يمكنني الجلوس فيه،منقطعا تماما عن العالم الخارجي .
"أمجاد":
ماهو تفسيركم لاعتقال ولد هيدالة لكم فترة طويلة،هل كنتم تخططون لانقلاب عليه أيضا؟
سيدي احمد ولد ابنيجارة:
(ضاحكا)محاولة انقلابية عليه كيف؟أنا لم أكن في شيئ حينها ولا صلة لي بأحد،بعد انقلاب 16 مارس استدعاني هيدالة وعينني وزيرا مستشارا بالرئاسة لكن من الطريف أنه طلب مني عدم الحضور إلى القصر أو المشاركة في اجتماع مجلس الوزراء فقبلت بذلك ،وغادرت إلى بادية تيرس عندي قطيع من الإبل ومنعزل عن السياسة تماما ،لأفاجأ باعتقالي تحت خيمة في تيرس بتهمة التحضير لانقلاب في نواكشوط،وأيضا اعتقلوا قريبا لي ولد ابنيجارة في أطار وهو ضابط سابق متقاعد لأنه كان مسؤولا عن الدبابات في العاصمة.!
نظرة إلى الحاضر والمستقبل
"أمجاد":
كشخصية وطنية ورئيس سابق للحكومة الموريتانية،كيف تنظرون إلى واقع البلد اليوم،ماهي رؤيتكم للمستقبل،وهل لديكم نصيحة توجهونها للطبقة السياسية سواء في السلطة أو المعارضة ونحن نعيش الذكرى التاسعة والأربعين لعيد الاستقلال الوطني؟
سيداحمد ولد ابنيجارة: أولا لابد أن نشعر جميعا بانتمائنا العميق لموريتانيا وأن نقتنع بذلك في إطار مصالحة حقيقية مع الذات،بعيدا عن المصلحة الضيقة والتجاذبات أو التطاحنات في المجتمع،يجب أن يكون هناك فضاء كبير للعمل والمشاركة بعيدا من تصفية الحسابات التي تعصف بالأنظمة والشعوب ،والتي أصبحت اليوم هي المنهج السياسي المتبع في البلد،وإذا كنت أستطيع تقديم نصيحة الآن لأبناء هذا الوطن بحكم التجربة والسن معا،سواء لقيادته أو معارضته فهي أولا محاولة استرجاع الثقة في البلد والنفس والمصالحة مع الذات،والمسؤولية الكبرى في هذا الجانب تقع على أصحاب القرار في السلطة الحالية،عليهم في رأيي أن يأخذوا المبادرة وزمام التوجيه نحو خارطة الطريق المناسبة،وأهم المعالم في هذا الاتجاه المحافظة على استقلال وكيان الدولة الموريتانية عن طريق المصالحة بين الجميع،وفتح المجال أمام كل الآراء دون احتكار للسلطة ، وعلينا أن نأخذ الدروس والعبر من تجارب الماضي،يأتي هذا الحكم فيصفي أصحاب الحكم السابق،ثم يأتي حكم آخر فيصفي بدوره من قبله،إنها الدوامة القاتلة في موريتانيا والماحقة لرجالاتها ونخبها السياسية والعسكرية والمالية.
هذا التفكير الفوضوي لا يصلح معه مستقبل لبلد له كيان قوي وإرث إداري و تاريخ مخزني قديم بل سيؤدي إلى تدهوره،أحرى إذا كان هذا البلد مازال في طور النمو والإنشاء لا يتجاوز عمره السياسي 49 عاما كلها حقول من التجارب ،له خصوصياته الاجتماعية والتقليدية والقبلية عميقة الغور في نفوس الأفراد والجماعات،ونسيجه العام ما زال ضعيفا .إن الدول العظمى مثل امريكا وفرنسا وبريطانيا مثلا يمكن أن يؤدي التطاحن بين بعض فئاتها إلى جعلها هشيما تذروه الرياح،فما بالك –لا قدر الله- لو وقع هذا الأمر في بلادنا نحن.
إن التصور الذي ظل سائدا كحقيقة في مجتمعنا الموريتاني منذ القدم هو أنه في مقابل الفقر وهشاشة البعض،ظل هناك عنصر قوي آخر هو التآزر والتكافل الاجتماعي بين الأفراد والمجموعات،بمعنى أن قلة إمكانيات البعض منه أوضعف البعض الآخر ،ليس مؤداها أو سببها البعض الآخر منه،إنها حصاد وضعية اجتماعية وتاريخية سلبية ناتجة عن إخفاق سياسات التعليم والتنمية الاقتصادية وبناء مشروع الدولة الوطنية الديموقراطية . ولكن ليست هناك أصابع اتهام ممدودة لجزء معين من هذا المجتمع لحالته أيا كانت .
على الدولة وخاصة الحكومة أن تتدارك الأمور بقدر كبير من الثقة في النفس والحكمة والتبصر وسعة البال،وهنا أوجه خطابي إلى السيد رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز لأقول له بصراحة إن عليه مسؤولية كبيرة وتاريخية الآن ،فقد أصبح رئيسا منتخبا بأغلبية أصوات الشعب الموريتاني –ولا أحد يكذب في ذلك أو يشكك فيه-معترف به دستوريا ودوليا وداخليا،عليه أن ينتهز الفرصة ليكون رئيسا لجميع الموريتانيين ،وهذه الفرصة الوحيدة أمامه لامتلاك الشرعية الكاملة من أجل قيادة موريتانيا نحو الأمام لا إلى الوراء،عليه أن يضع في الحسبان أن موريتانيا ليست جديدة من اليوم ،فيسعى إلى تثمين كل مراحلها وعطاء أجيالها المختلفة، في عهد المختار ولد داداه والأحكام الأخرى من بعده ،في الطرق وزيادات الأجور،في التنمية والديموقراطية ،لأن التاريخ هو تاريخ الدولة الموريتانية بتراكماته المتعددة،وليس أثاثا مستعملا لشخصيات معينة علينا أيضا أن نحترمها باسم الدولة الموريتانية وعلمها ونشيدها الوطني ،وهذا لا ينقص من قيمة أحد أيا كان ومهما كان الدور الذي يمكن أن يؤديه للمصلحة العامة،هذا فقط كي يكون لنا إرشيف أو ذاكرة جمعية نعود إليها فنختلف حول أطيافها أو نتفق لا يهم تلك سنة الحياة.
"أمجاد": خلال الأزمة السياسية التي عرفتها البلاد في العام الماضي كنتم في مقدمة عدد من الشخصيات الوطنية،التي بعثت رسالة إلى الرئيس الفرنسي ساركوزي،ماهو فحوى هذه الرسالة؟
سيدي احمد ولد ابنيجارة:هذه الرسالة تضمنت جملة من الآراء والمواقف أردنا لفت انتباه الحكومة الفرنسية إليها منها أن تدخل الجيش في 6-8-2008 كان نتيجة ظروف معينة بل إنه كان مطلبا تبناه الكثيرون في البلد ودافعوا عنه ،لأن فئات واسعة في المجتمع الموريتاني لم تكن راضية عن الواقع المعيش،وهذا ما أعطى شبه مصداقية ،وأعطى دعما اجتماعيا وسياسيا لذلك التغيير الذي قام به الجيش ضد نظام الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله،ومن جهة أخرى وضحنا للرئيس ساركوزي أن هذا شأن موريتاني داخلي ،وأن الجانب الآخر الرافض لتدخل الجيش يمارس دوره في الساحة وله صوته المسموع وليس مجردا من وطنيته هناك حراك واختلاف في الآراء بين أغلبية برلمانية ومعارضة ديموقراطية ،وهذا الوضع لا يجب أن يستغله أي طرف مهما كان لفرض حصار على الشعب الموريتاني أو إجباره على الرضوخ لخيارات أجنبية. وشرحنا لساركوزي التحديات التي تواجه موريتانيا اليوم وأولها الإرهاب في المنطقة ورياحه العابرة للحدود وطلبنا منه أن يقف إلى جانب موريتانيا أولا.
وبالنسبة لمجموعة الاتصال الدوليةالتي زارت نواكشوط قدمت لها مع نخبة أخرى مقترحات محددة للخروج من الأزمة آنذاك منها استقالة ولد عبد العزيز وتولي امبارى الرئاسة مؤقتا وتنظيم انتخابات بعد ذلك.
"أمجاد": ماذا نحتاج إليه الآن في رأيكم من أجل الاستقرار السياسي وترسيخ الديموقراطية؟
سيدي احمد ولد ابنيجارة: نحتاج الآن إلى إجماع وطني جديد يكرس مشاركة الجميع دون إقصاء في بناء الوطن وتنميته،والبعد عن تصفية الحسابات، يمكن أن نحارب الفساد ونصلح الإدارة دون أن نصفي الحسابات باسمها مع أي طرف سياسي أو اجتماعي أو فردي،ومحاربة الفساد مسألة ضرورية ولا يوجد أحد يساند الفساد ،أو يصفق لرفع رايته في نخبتنا السياسية،وليس من المعقول أن تصبح وظائف الدولة فرصة للتكسب والثراء غير الشرعي هذا ليس مقبولا ولا مألوفا في قيمنا وأخلاقنا الأصيلة.
ولكن من يريد التكسب الشرعي وجمع الأموال عليه أن يتوجه إلى القطاع الخاص والأعمال الحرة،و على الدولة أن توفر الظروف المناسبة لنمو هذا القطاع ودعمه بالقروض البنكية،بينما من يتحمل مسؤولية عمومية في الدولة يجب أن يشعر أنه رجل بناء وقيادة وليس تاجرا في مقابل وضعه من طرف الدولة في مناخ إيجابي ماديا وقانونيا.
وهنا يجب الاعتناء باختيار الكفاءات ونبذ التعيينات العشوائية على أسس التصفيق والنفاق السياسي أو المحسوبية الضيقة وهو الباب الواسع الذي يؤدي دائما إلى الفساد الأصغر منه والأكبر..
"أمجاد": سبق لكم أن التقيتم بالرئيس محمد ولد عبد العزيز وكنتم تدعمونه في البداية،ماهو موقفكم منه الآن؟
سيدي احمد ولد ابنيجارة: فعلا اجتمعت بالرئيس ولد عبد العزيز مباشرة ،وقلت له إنه يعرف أنني ساندته في التغيير،ووقفت معه حتى النهاية ،ولكن ما بدأ يصرح به للموريتانيين لا يمكنني أن أصفق له عليه ،لا يمكن أن أصفق للرئيس عزيز على سجن واعتقال الموريتانيين هذا مستحيل من رجل دولة مثلي يدرك أن هناك مشاكل تتطلب حلولا ولكن بحكمة وصبر وليس ببناء السجون وزج الناس فيها ،هذا هو وجه الخلاف بيني وبين الرئيس محمد ولد عبد العزيز ،نحن جميعا قادمون من السجون والتخويف،وليست هي أفضل طريقة في نظري لبناء موريتانيا من طرف رئيس منتخب نعول عليه كثيرا خلال السنوات الخمس القادمة.
لست مقتنعا أن الموريتانيين جميعا لصوص،أنا مستعد لمساندة رئيس الجمهورية بالنصيحة التي أراها مناسبة لخدمة البلد،فمثلا يمكن أن نصلح الإدارة دون إرهاب الموظفين والمسؤولين فيها،نصلحها باختيار الكفاءات التي تقودها،وبالمثل الأعلى،وتكريم المدراء الفاعلين وأصحاب الأداء المتميز في الدولة يوم الاستقلال الوطني ،تكريمهم ماديا ومعنويا على رؤوس الأشهاد،ماذا لو كان توزيع القطع الأرضية المهمة خاصا مثلا بمن يقدمون خدمات جليلة للوطن والمواطن،المشكلة أننا انغمسنا في العقاب ونسينا ما قبله وهو الثواب.
"أمجاد": هل من كلمة أخيرة في شريط الذكريات،أوالرؤى الأخرى للقضايا والمشكلات اليوم؟
سيد احمد ولد ابنيجارة: لوعدت إلى السنوات الأولى للاستقلال أقول إنني فخور لكوني واكبت نخبة من إطارات الدولة الموريتانية المخلصين في البنك المركزي الموريتاني قاموا بإنشاء العملة الوطنية ،كانوا يحسون أنهم قدوة فوقاهم الله شر الانحراف والبحث الأعمى عن المال ،مؤمنين بمفهوم الدولة التي صارت معجزة فوق الرمال بقرائحهم المتوقدة وهممهم العالية وأعمارهم لا تتجاوز العشرين في تلك الفترة.
هذا عن ذكريات الماضي أما عن إحساسي اليوم ورؤيتي للحاضر وما يجب أن يكون في المستقبل،فأنا أرى أنه على القيادة الوطنية بدلا من الارتجال أن تفكر أولا في مشروع اجتماعي وسياسي واقتصادي ،وهذا المشروع بأبعاده المختلفة لا يمكن أن ينجح بالاعتماد على جزء من المجتمع وتهميش الجزء الآخر،فالطاقات والكفاءات موجودة في مختلف الجهات والولايات والقبائل والأحزاب والأدمغة الوطنية في الخارج،علي الحكومة أن تحسن من أوضاع التعليم والجيش خصوصا لتحصين العقول وحماية الثغور،إن التغيير الأفضل يتطلب مشاركة الجميع كما قلت دون أن يتخلف أحد عن الركب.
أنصح أن تكون هناك وقفة أو استراحة من ما يسمى"الحرب على الفساد"-يضحك ولد ابنيجارة-حتى يشعر المجتمع بالعافية والأمان والقيادة ورجال السياسة يمكنهم المساهمة في هذا العمل الخيري! لاداعي- وأكررها- لتصفية الحسابات وزرع الخلافات،وضرب طرف بالطرف الآخر،والتنقيب عن عورات ومساوئ الناس،وإذكاء الصراعات الشخصية،حتى ولو كان الشعار المرفوع لذلك هو الإصلاح ،فقد تترتب مفسدة كبيرة على ذلك كله.
عندما تقول للبعض بأنه مسؤول عن الحالة المزرية للبعض الآخر ،فهذه دعوة ضمنية للفتنة والشقاق،إن كل قيادة سياسية جديدة قد تواجه أمامها وضعا قائما عليها أن تعالجه لكنها ليست مسؤولة عن القرون التي قبلها بما فيها من حسن أو سيئ ،لا تزر وازرة وزر أخرى.
عليها هي أن تبدأ في الإنجازات المطلوبة وأن "تنسي" الشعب في "العهد البائد" ،لا أن تحول الحالة العامة إلى "المحشر"،المحشر يوم القيامة فقط.
وهنا أضع نفسي في مكانة الناصح الأمين لرئيس الجمهورية بصراحة وإخلاص و أطلب منه أن لا يضيع عليه الوقت في توزيع الاتهامات هنا وهناك ونبش القبور والملفات القديمة بحثا عن المفسدين ،يكفي موريتانيا مصلح واحد لتضبط الساعة على زمنه.
وأقول للرئيس محمد ولد عبد العزيز بصدق إنه رئيسنا جميعا ونريد له وللبلد الذي هو رمز له كل الخير والتوفيق.
نريد موريتانيا جديدة ولكن أصيلة في نفس الوقت غير متنافرة فيما بينها،ونريد ترسيخ الديموقراطية فقد جربنا الأحادية وليست فيها فائدة،في فرنسا اليوم يوجد حزب حاكم،لكنه منفتح على الكفاءات في كل الاتجاهات حتى ولو كانت معارضة له ،وزير الخارجية الفرنسي كوشنير ليس من حزب ساركوزي، مسؤول صندوق النقد الدولي اشتراكي،والمشرف على تخطيط النمو الاقتصادي ليس من الحزب الحاكم ،والمفاوض مع كوريا جاك لانغ في اتجاه آخر،هذه فرنسا للجميع فلماذا لا نكون نحن أيضا؟
تعلمون جميعا أنه عندما حدث ما حدث يوم العاشر يوليو لم يتحرك الحزب الحاكم (حزب الشعب الموريتاني) وعندما ذهب معاوية تبخر أيضا الحزب الحاكم(الحزب الجمهوري) ولم يحرك أحد ساكنا ،لا يجب أن نعول على الحزب الحاكم ،الحاكم فقط هو الله وهو خير الحاكمين.
معنى موريتانيا الجديدة بالنسبة لي هو الأفكار الجديدة،والكفاءات الجديدة،والمشاريع الجديدة وليس السجون الجديدة . ولدي كلمة أريد توجيهها أيضا إلى المعارضة الوطنية،إن عليها أن تتخلص من عقدة المؤامرة وفكرة الإطاحة بالأنظمة لأن هذا ليس من الديموقراطية ،فالديموقراطية مسار تترجم حصاده نتائج الانتخابات التي يجب احترامها سياسيا ودستوريا تماما مثل قواعد أية لعبة عندما تنتهي بين المتنافسين،والمعارضة لا يجب أن تغيب عنا بعد الانتخابات وتدخل في بيات شتوي ،عليها ان تشارك من جديد وتتأهب للجولات القادمة بروح منفتحة،وتساعد الحكم الحالي في خدمة الشعب بالنقد البناء والمشاركة في المسيرة نحو الأمام.
والله ولي التوفيق .
موقع أمجاد