الأمل الجديد: قيل الكثير عن لقائكم بالزعيم الليبي معمر القذافي وما سمي في الإعلام بالبيعة التي قدمتم له، ما هي حقيقة ما جرى؟
د/ عبد السلام ولد حرمه: أولا اشكر اليومية على أنها أتاحت لنا هذه الفرصة على شرح مضامين هذه الزيارة التي كثر فيه القيل والقال وسط شطط سياسي وإعلامي كبير ومما يؤسفنا أن الأمر صدر أحيانا من جهات سياسية كنا نتوقع أن تخوض معاركها السياسية والفكرية بوسائل نظيفة.
بدل أن تلتحق بجهات تحاول ركوب أي موجة لخلق وجود لها على الساحة الشعبية وهذه الجهات للأسف الشديد هي من حاولت ولا تزال تصوير هذا وفق أجندة دعائية رخيصة وهنا نقول للرأي العام الوطني والشعب الموريتاني بمختلف مشاربه أن زيارتنا للجماهيرية تنبع من تفكيرين وهاجسين الأول منهما أننا نسعى منذ مدة لتحقيق مطلب تاريخي داخل التيارين القومي الإسلامي وهو توحيد جهودهما فيما يواجهه البلد من حملة تغريب وتشويه لشخصيته الحضارية وميراثه الروحي والتاريخي، ومساهمة هذان التياران في معارك الأمة على المستوى القوي خصوصا معارك تحرير الأراضي المحتلة ومشاريع الاختراق الصهيوني وتقهقر العمل القومي والإسلامي في مواجهة المخططات الامبريالية التوسعية وفي ظل هاذين الهاجسين كنا منصتين جيدا لما يصدر داخل الساحة العربية من تفاعلات ايجابية وفي مقدمتها مساعي وخطابات القائد معمر القذافي واستعداده لدعم وتبني الخطاب القومي والإسلامي وتوحيد جهودهما على الساحة خصوصا أن الجماهيرية تحتضن القمة العربية، فجاءت رحلتنا لتلبية دعوة القائد والتعبير له عن استعدادنا للانخراط فيها لمواجهة ما تعانيه أمتنا من خصاص وضعف ولننقل إليه مطالب الشارع الموريتاني للقمة التي يرأسها. وكان حديثنا أمامه صريحا وعبرنا له أمام الشاشات وسائل الإعلام المختلفة عن هذه القناعة مثلما هو حال الوفود التي قدمت من مناطق الأمة المنكوبة العراق فلسطين والسودان، ونعتبر نكبتنا في موريتانيا أخطر من هذه المناطق لأنها نكبة في الوجود والهوية والاختراق الصهيوني ربيب الاختراق الوكلونيالي الافرانكفوني. الذي يناوش تخوم وجودنا في راهن الأيام ويعرضه لامتحان قاس ومدمر.
وإذا كانت الدعوة إلى ضرورة توحيد التيار القومي والإسلامي عمالة فهي تهمة لا ننفيها وإذا كان تلقف دعوات العون في هذا الأمر (خيانة) فهي خيانة لا نتبرأ منها وإذا كانت "سايس بيكو" السياسية والاقتصادية قد فرضت علينا بالقوة تحت الحراب الكولونيالية فلن تفرض علينا اليوم وتحت أي ظرف "سايس بيكو" نفسية وفكرية من طرف ممثلي أصحاب هذه الحراب والمدافعين عن مشاريعها محليا، وإذا كان حلف الافرانكفونية يقيم يوميا وعلى نحو كثيف ومتواتر كرنفالاته داخل السفارات الغربية ويتبجح بالدفاع عن لغتها ويتلقى الحضن والدعم العلني من أصحابها دون أن يشعر بالخجل والهوان، فإننا نحن أصحاب المشروع الوحدوي والقناعات الوحدوية التي تستلهم تاريخ هذه الأمة ووحدتها الروحية والتاريخية والوجدانية نفخر ونوشح أنفسنا بأن نلتقي مع قائد عربي أبى الذل والهوان واحتضن حركات الرفض والمقاومة على أرضه وهو مستعد اليوم للتعبير عن آمالها وطموحاتها. نفخر أننا التقيناه وعبرنا له عن استعدادنا للوقوف خلف جهوده في مهمة هي جوهر رسالتنا السياسية وجوهر مشروعنا الفكري الذي انبثق مع بداية عصر النهضة العربية المعاصرة. وفي المقابل ندعو شركاءنا في الساحة الوطنية أن يتحلوا بالحد الأدنى من الأخلاق السياسية التي تمكننا من إدارة خلافنا السياسي والفكري وفق آليات متحضرة كما ندعوهم إلى النزاهة الفكرية والجرأة السياسية في التعبير عن آرائهم حول قضايا هذه الأمة وفي مقدمتها قصية الهوية وما يترتب عنها من قضايا في مقدمتها قضية اللغة لأنه لا وطن بدون هوية ولا هوية بدون لغة والمعركة اليوم لم تعد تسمح بالتخفي وراء شعارات الوحدة الوطنية فإما أن ندافع عن لغاتنا الوطنية التي حددها الدستور وإما أن ندافع عن اللغة الكولونيالية التي فرضت علينا منذ مجيء "افدرب" ولا زال أحفاده ثقافيا يفرضونها الى اليوم.
الأمل الجديد: شكلتم منسقية للعمل القومي الإسلامي أخيرا، هل هذه المنسقية مفتوحة أمام الأحزاب الراغبة في الانضمام إليها أم أنها خاصة بمجموعتكم؟
د. عبد السلام ولد حرمه: صحيح نحن شكلنا هذه المنسقية التي تعود جهود تأسيسها إلى سنتين قبل الآن وهي بمرجعيتها الفكرية مفتوحة أمام كل من يتقاطع معها ومفتوحة بمرجعيتها السياسية أمام كل الراغبين في الحوار معها على الساحة الوطنية نأمل أن نتمكن من تقديم خيار وطني يساهم في ما تعانيه الساحة من ترهل وتشرذم سياسي، وإذا كان البعض حاول في وقت مبكر جعلها ضمن اصطفاف معين فلن نسعى إلى جعل محاولته تصل مبتغاها وسنبقى ممدودي الأيدي إلى كل شركائنا في الساحة السياسية مهما اختلفنا معهم لايجاد ما أمكن من جسور التعاون السياسي بعيدا من روح الاصطفاف الحدي والتشنج الإعلامي الذي ضبع خطاب هذه الأيام وكأننا في وارد الدخول في حملة انتخابية.
الأمل الجديد: كيف تنظرون إلي النقاش الدائر بشأن تصريح الوزير الأول المتعلق باللغة العربية؟
د/ عبد السلام ولد حرمه: ما يحز في أنفسنا اليوم أن نرى ساحتنا يصول فيها أصحاب الدعوات النشاز ويجولون إلى حد يرهبون به أصحاب الحق ويتوارون بحقهم ليتركوا الساحة لأصحاب الزيف. وأنا هنا لا أدافع عن خطاب ولا عن برنامج ولكن ما ورد في خطاب معالي الوزير الأول هو إشارة خجولة إلى قضية كرسها الدستور وكرستها قبله حقائق هذا البلد التاريخية ومحدداته الجغرافية، ونحن نعرف جيدا أنه إلى حدود هذه اللحظات لا زال التعامل الإداري في كافة وسائل الدولة يتم باللغة الفرنسية ولا زالت المحاظر والجامعة والمعاهد تقذف يوميا إلى الشارع بجيش عرمرم من المكونين باللغة العربية دون أن يحز ذلك أو يكون مصدر شفقة من "دعاة" الوحدة الوطنية وهو مستوى لا أتصور أن عاقلا يفوته ما وصل إليه عقول هؤلاء "الدعاة" من استخفاف بمشاعرنا وجرح لنفوسنا حين يستعيروا ذات الآلية التي يستخدمها أسياد "النظام الدولي الجديد" بالكيل بمكيالين..
وهنا فاللغة الفرنسية ليست تعبيرا عن شريحة معينة كما أن اللغة العربية ليست حكرا على شريحة معينة وإن كانت هي اللغة الأم لأغلبية سكان الأرض. مع العلم أن شواهد التاريخ وذاكرته الطرية يؤكدان أن شريحة الأفارقة الزنوج كانت لها هذه اللغة "أي اللغة العربية" لغة شعائر معاملات خصوصا المجموعة البلارية التي وقفت مآذن مساجدها وزواياها عقبة كأداء في وجه التوغل الاستعماري المسيحي من النهر السينغالي حتى جبال الكونكو.. ومن المؤكد أن تاريخ هذه المجموعة الثقافي المجيد يجرحه أن تربط بلغة هذه القوة التي كرست قرونا عديدة لمواجهتها وقدمت في ذلك كثيرا من الشهداء والتضحيات.. كما يحاول البعض اليوم أن يصور.
إن أسفنا كبيرا حين لا نرى ممن يعضون بالنواجذ على اللغة الفرنسية لفتة نحو لغاتنا الوطنية من غير اللغة العربية إلا حينما يكون الحديث عن هذه الأخيرة. وكأنهما ثنائية ضدية وهو ما نجح فيه للأسف الشديد دعاة لافرانكفونية في حين نجد "سلفاكير" و"كرانك" وغيرهما من الوثنيين والمسيحيين يجيدون اللغة العربية ويخاطبون بها شعبهم نجد أحفاد عبد القادر الفوتي يصورون عند البعض من هؤلاء الافرانكفونيين على أن علاقتهم باللغة العربية هي علاقة تخالف وانتباذ.
إن النضال من أجل تطوير اللغات الوطنية هو نضال ينبغي أن يكون واجبه علينا جميعا وفق ما تسمح به الظروف وتسعف به تجارب الشعوب والدول في هذا المضمار. لكن أن نرتهن في وحدتنا الوطنية ووشائجنا الروحية التاريخية للغة استعمارية فيه اهانة لنا جميعا.
الأمل الجديد: ما هو تقييمكم للأوضاع السياسية الحالية اليوم؟
د/ عبد السلام ولد حرمه: الوضع السياسي الحالي في البلد في غاية الخطورة لأن معركة القوى السياسية الآنية والبرامجية نقلتها أطراف إلى صميم ثوابت البلد وقضاياه الجوهرية التي لا يجوز الخلاف حولها. لأن معركتها حسمت في مراحل سابق من تاريخ هذا البلد وإعادة طرحها أو التهاون مع احترامها يشكلان بداية نفق مظلم لا نتمنى لبلدنا الاقتراب منه.